ولسنا ننكر أن القانون الروماني أفاد من ناحية غير هذه، أعني ناحية عرض المسائل على الفقهاء ليبدوا فيها رأيهم حسب القواعد الكلية للشريعة الإسلامية، فمن المحقق أن مصر والشام كانت تحكمهما محاكم رومانية بالقانون الروماني، فلما جاء الإسلام ودخل قوم من هؤلاء المحكومين فيه، وخضع له غيرهم كان من الطبيعي أن يعرضوا تقاضيهم القديم وآراء محاكمهم القديمة على الإسلام لينظروا ما يقر منها وما لم يقر، هب اليوم أنه لداع من الدواعي غير القانون المصري ووضعت أسس أخرى لقوانين جديدة؛ فمما لا شك فيه أن المتقاضين ورجال القضاء ونحوهم ممن كانوا يتقاضون حسب القانون القديم يثيرون مسائل ويعرضون رأيه، ويقارنون بين التعاليم القديمة والتعاليم الجديدة؛ خصوصا إذا لاحظنا أن القضاة في صدر الإسلام كان لديهم الشيء الكثير من المرونة والتسامح فيما لم يخرج عن قواعد الإسلام، قرأت في ذيل كتاب قضاة مصر «أن خير بن نعيم تولى قضاء مصر من 120-127» كان يسمع كلام القبط بلغتهم ويخاطبهم بها، وكذلك شهادة الشهود منهم، ويحكم بشهادتهم»
32 . •••
في هذا العهد - عهد الدولة الأموية - لا نرى خلفاءهم يهتمون بشيء من شئون التشريع إلا قليلا منهم كعمر بن عبد العزيز، فالتشريع لم يرق تحت حمايتهم ورعايتهم، كالذي كان في عهد الدولة العباسية، إنما رقي في المدارس وفي حلقات الدروس المستقلة عن خلفائهم، ولم يبذل الأمويون محاولة في صبغ تشريعهم صبغة رسمية، فلا نرى في الدولة الأموية مثل أبي يوسف في الدولة العباسية، يحميه الخلفاء ويؤيدونه في التشريع ويوثقون الصلة بينه وبينهم، وبينه وبين قضاة الأمصار، ولا نرى من المشرعين من اتصل بالأمويين إلا قليلا كالزهري.
وفي هذا العهد لم تكن المذاهب الأربعة قد تكونت، إنما كان هناك أئمة كثيرون مجتهدون كالأوزاعي، اندثرت مذاهبهم، وبدأ في آخر عهد الدولة الأموية يظهر إمامان من الأئمة الأربعة: الإمام أبو حنيفة في العراق، والإمام مالك بن أنس في المدينة. فالإمام أبو حنيفة ولد سنة 80ه في ولاية عبد الملك بن مروان، وعاش نحو 18 سنة في ظل الدولة العباسية، وهو من أصل فارسي، أخذ الفقه عن جعفر الصادق من البيت العلوي، وعن إبراهيم النخعي من أكبر فقهاء عصره، وسمع الحديث من الشعبي والأعمش وقتادة، واشتهر بقدرته التشريعية، وقوة حجته، وحسن منطقه، ودقته في الاستنتاج؛ ومن أجل ذلك عد إمام أهل الرأي، ولم يصل إلينا شيء من تآليفه القانونية، ولا ثبت تاريخيا أنه دون مذهبه في كتاب، إنما فعل ذلك تلميذاه من بعده: أبو يوسف ومحمد.
والإمام مالك ولد سنة 96ه بالمدينة من أصل عربي، وبها تعلم وعلم وألف، واشتهر بأنه حجة في الحديث، وعد من أجل ذلك إمام أهل الحديث، ويمتاز مذهبه باعتماده على الحديث أكثر من أبي حنيفة، ويحتج بعمل أهل المدينة، وتوفي سنة 179؛ وخلف لنا كتاب الموطأ، وقد اشتهر أنه كتاب حديث، ولكنه في الحقيقة كتاب فقه وإن ملئ حديثا، فلم يكن غرضه أن يجمع فيه الأحاديث المعروفة في عهده، والتي صحت عنده، إنما غرضه الإتيان بالتشريع مستدلا عليه بالحديث؛ ولذلك نجد فيه فتاواه الشخصية وآراءه في بعض المسائل.
ولا نطيل بذكر ما كان بينهما من خلاف في وجهة النظر واختلاف في الأصول التي اعتمدوا عليها؛ فذلك بالعصر العباسي أليق، إنما نذكر هنا ملاحظة دقيقة لاحظها ابن خلدون عند تعليله؛ لانتشار مذهب مالك في المغرب والأندلس، فقد قال: «وأيضا فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس، ولم يكونوا يعاونون الحضارة التي لأهل العراق، فكانوا إلى الحجاز أميل، لمناسبة البداوة، ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضا عندهم، ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها، كما وقع في غيره من المذاهب»