ولما جاءت الدولة الأموية نقلت مركز الخلافة إلى دمشق الشام، وفي عهدها ظهر أثر الامتزاج الذي كان بين العرب الفاتحين والأمم المفتوحة على النحو الذي أبناه من قبل.
وساعد على هذا الامتزاج أن المسلمين كانوا بحق في عصرهم الأول متسامحين مع غيرهم أجمل تسامح، وسيرة عمر بن الخطاب أصدق شاهد على ذلك، وإنما جاءت القسوة وسوء المعاملة بعد هذا العهد؛ فكان من أثر ذلك أن وضع تحت أعين المسلمين أنواع من المدنيات المختلفة وأنواع من الديانات المختلفة وأنواع من الأنظمة المختلفة، كل هذه جعلت المسلمين وغير المسلمين يتساءلون: ما حكم الإسلام فيها؟ ما رأي الإسلام في هذه الجزئيات الكثيرة التي أنتجتها هذه المدنيات؟ ما الذي يرضاه الإسلام وما الذي لا يرضاه؟ أيها يتفق مع قواعده الكلية وأيها لا يتفق؟ فكان موقف الفقهاء أمام هذه المشاكل من أصعب المواقف وأشدها عناء؛ وكانوا هم من جانبهم من أكثر الناس نشاطا وتحملا للعبء.
يذهب بعض الباحثين من المستشرقين مثل «جولدزيهر» و«سانتلانا» إلى أن الفقه الإسلامي في هذا العصر تأثر كثيرا بالقانون الروماني، وكان هذا الفقه الروماني مصدرا من مصادره، استمد منه بعض أحكامه، قالوا: كان في الشام مدارس للقانون الروماني عند الفتح الإسلامي في قيصرية وفي بيروت، وكان هناك محاكم تسير في نظامها وأحكامها حسب القانون الروماني، واستمرت هذه المحاكم في البلاد بعد الإسلام زمنا؛ قالوا: وطبيعي أن قوما لم يأخذوا من المدينة بحظ وافر إذا فتحوا بلادا ممدنة نظروا ماذا يفعلون، وبم يحكمون، ثم اقتبسوا من أحكامهم؛ وقالوا: إن المقارنة بين بعض أبواب الفقه وبعض أبواب القانون الروماني تقنعنا بما نقول، بل إن هناك قواعد نقلت من القانون الروماني بنصها مثل: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر»، وإن كلمتي الفقه والفقيه استعملتا وفاقا لمعنى الكلمة المستعملة عند الرومان، فهم يستعملون كلمة “Juris”
وهي تدل على الفهم والمعرفة والحكمة؛ وقالوا: إن الفقه الإسلامي أخذ عن القانون الروماني إما مباشرة أو عن طريق التلمود، فإن هذا التلمود أخذ كثيرا من القانون الروماني، واتصال المسلمين باليهود مكنهم من الأخذ ببعض أقوال التلمود، إلى آخر ما قالوا.
ولسنا نرى أن الأدلة التي أتوا بها مقنعة، فتشابه بعض أحكام في قانونين لا يجعلنا نقطع بأخذ أحدهما عن الآخر، سيما إذا روعي أن القوانين - إلهية أو وضعية - تراعي العدالة في التقنين، وهناك أمور واضحة العدالة يتفق فيها المشرعون، كقاعدة البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، وكلمة الفقه في أصل اللغة العربية معناها العلم بالشيء والفهم له، ثم غلبت على معنى العلم بالدين والفهم له، كما غلب الشعر على ذلك الضرب المعروف من القول، وفي هذا المعنى استعملها القرآن قبل امتزاج العرب بالرومان فقال:
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ، ثم غلبت على هذا النمط من العلم «علم التشريع»؛ لأنه يتطلب فقها في الدين ومعرفة بالكتاب والسنة؛ وهذا شأن العرب في أسماء العلوم على العموم، تكون الكلمات عامة، ثم تخصص، ولم نعثر على أحد من الأئمة المشرعين أشار أية إشارة إلى القانون الروماني على سبيل النقد أو التأييد أو الاقتباس؛ وقد كان أولى الناس بالتأثر بالقانون الروماني الأوزاعي، فقد عاش في بيروت، موطن أكبر مدرسة رومانية في الشام، وكان أكبر فقيه فيها، وقد التفت بعض المستشرقين إلى ذلك وقالوا: إن من دواعي الأسف أن مذهبه اندثر، ولو عثرنا عليه لوجدنا فيه أثرا كبيرا للقانون الروماني، ويظهر لنا أنه قول غير وجيه، فقد عثرت على جملة صالحة من مذهبه في الجزء السابع من الأم؛ ودلتني قراءتها على أن من الإنصاف أن يعد الأوزاعي من مدرسة الحديث لا من مدرسة الرأي، عكس ما يقول «جولدزيهر»، ومدرسة الحديث أبعد مظنة من التأثر بالقانون الروماني.