تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27 .

وتغالى أصحاب الحديث كما تغالى أصحاب الرأي، حتى قال بعضهم: إن السنة حاكمة على الكتاب، وليس الكتاب حاكما على السنة، وحتى كان في العصر الثاني من يقول: إن السنة تنسخ الكتاب. •••

كان النزاع بين المدرستين شديدا، ووجه كل فريق قوارص اللوم للآخرين، ووضعت الأحاديث لتأييد كل مدرسة، فإذا روت مدرسة الحديث أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال: «يوشك رجل منكم متكئا على أريكته يحدث بحديث عني فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله

صلى الله عليه وسلم

مثل الذي حرم الله»

28

روت مدرسة الرأي أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال: «ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا ، وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني الله!»

29

وهذا هو الذي يفسر لنا ما نراه في الكتب من تناقض، فقد روي عن أبي بكر في العمل بالرأي وفي ذم الرأي؛ وعن عمر في العمل بالرأي وذم الرأي، وابن مسعود كذلك

30 ، وقد أجهد بعض العلماء أنفسهم في التوفيق بين هذه الأقوال المتناقضة، ورأوا أن نوعا من الرأي محمود ونوعا منه مذموم، وأن ما ورد عنهم في الذم إنما ينصرف إلى النوع المذموم، والذي نرى أن هذه الأقوال المتناقضة إنما هو من أثر المدارس المتنازعة، ومن وضع من اندس في كل مدرسة ولم يرع الحق ولم يخش الله.

وكانت بين المدرستين مناقشات طريفة نذكر لك مثلا منها:

فقد روي أن ربيعة الرأي سأل سعيد بن المسيب عن عقل

31

أصابع المرأة: ما عقل الإصبع الواحدة؟ قال: عشرة من الإبل، فإصبعان؟ قال: عشرون، قال: فثلاثة؟ قال: ثلاثون، فأربع؟ قال: عشرون؛ قال: فعندما عظم جرحها نقص عقلها؟ فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ إنما هي السنة. •••

وهناك مدرسة كانت بين المدرستين لا تهمل الرأي بتاتا، وهي مع ذلك غنية بالحديث ولا تعمل الرأي إلا بشروط، وإلا عندما لم يكن نص في المسألة، ومن أعلام هذه المدرسة الإمام مالك ثم الإمام الشافعي.

وقد ارتقى البحث في الرأي ونظم، ووضعت له قواعد وشروط وسمي بالقياس، وحصر الرأي بعد وضع هذه القواعد والنظم في دائرة ضيقة لا تتعدى غالبا تشبيه ما لم ينص عليه بما نص عليه لعلة تجمعهما.

وهذه المدارس على اختلافها رقت التشريع رقيا بينا بما بحثت واستنبطت، حتى الأحاديث الموضوعة نفسها كان لها فضل في التشريع، فإنها لم توضع اعتباطا ولا كانت مجرد قول يقال، إنما كانت في الغالب نتيجة تفكير فقهي وبحث واجتهاد، ثم وضع هذا الرأي وهذا الاجتهاد في قالب حديث.

ولنعد الآن إلى إلقاء نظرة عامة على تاريخ التشريع في ذلك العصر.

في عهد الخلفاء الراشدين كان مركز الخلافة في المدينة، وكان فيها أكثر كبار الصحابة وأوسعهم علما، فلما توفي أبو بكر كانت تعرض عليه معضلات المسألة ليقضي فيها، وكان - كما رأيت - يستشير كبار الصحابة فيما لم يرد فيه كتاب ولا سنة، ولم يؤثر عنه أنه عين قاضيا في ناحية من النواحي، وقد ذكروا أنه لما كثرت عليه شئون الأمة عهد بالشئون القضائية إلى عمر.

فلما تولى عمر وفتحت الفتوح عين القضاة في الأمصار، في مصر والشام والعراق، وكان بجانب القاضي جملة من الصحابة والتابعين في كل مصر، عرفوا عادات المصر الذي نزلوا به ونوع معيشتهم وحالاتهم الاجتماعية والاقتصادية، وكان لهم علم بالقرآن وجملة صالحة من الحديث، ورأي يحكمونه فيما ليس فيه نص، فكان هؤلاء يستفتون فيما يعرض لهم فيفتون؛ وهؤلاء أصدروا فتاوى في أمور كثيرة عدت بعد تقاليد لكل مصر، أو بعبارة أخرى: سوابق قضائية تراعى إذا حدث مثلها، وقد ذكرنا قبل أن أهل المدينة كانوا يتبعون أكثر ما يتبعون فتاوى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأهل مكة فتاوى عبد الله بن عباس، وأهل الكوفة فتاوى عبد الله بن مسعود، وأهل مصر فتاوى عبد الله بن عمرو بن العاص، هذه الفتاوى كانت تكثر بظهور أحداث لم يسبق صدور فتوى فيها واجتهاد العلماء في بيان حكمها.

فجر الإسلام · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١١٦