تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21

قال: «ما كلمة أبغض إلي من أرأيت» وكان مالك بن أنس لا يقدم عليه في السؤال كثيرا، وكان أصحابه يهابون ذلك، قال أسد بن الفرات - وقد قدم على مالك - وكان أصحابه يجعلونني أسأله عن المسألة، فإذا أجاب يقولون قل له فإن كان كذا، فأقول له، فضاق علي يوما، فقال هذه سليسلة بنت سليسلة، إن أردت هذا فعليك بالعراق

22 ، وقال سعيد بن المسيب لربيعة الرأي وقد اعترض عليه في مسألة: «أعراقي أنت؟ ... إلخ» وكان عمل العراقيين سببا في تضخيم الفقه وكثرة مسائله مما جعل الفقهاء الآخرين ينظرون فيها، ويبدون حكمهم فيها على أصول مذاهبهم؛ ويظهر أنه كان للمنطق السرياني الذي كان منتشرا في العراق قبل الفتح - كما وصفنا من قبل - أثر في القالب الذي اتخذه العراقيون في تفريع المسائل. (2)

قلة روايتهم للحديث واشتراطهم فيما يؤخذ به من الحديث شروطا لا يسلم معها إلا القليل.

وحتى غالى القوم فرأوا عدم الأخذ بالحديث بتاتا، وحجتهم في ذلك شكهم المطلق في رواة الحديث، وكثرة من جرحه المحدثون، حتى يكادوا لا يتفقون على أمانة محدث وصدقه، فقالوا: لا نترك كتاب الله الثابت المقطوع به لمثل هذا الحديث المشكوك فيه، وحتى من ظهرت أمانته، فمن يدرينا ما دخيلة نفسه! وكانت هذه فئة كبيرة على ما يظهر، فقد عقد الإمام الشافعي في كتابه «الأم» فصلا طويلا عنوانه: «باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها»، وحكى آراءهم وناقشهم فيها مناقشة طويلة وبديعة

23 ، وحكى بعده بابا آخر للرد على جماعة ذهبوا إلى أنه لا يؤخذ من الأخبار إلا ما اجتمع عليه، فأما ما اختلفوا فيه فيقدم الرأي والقياس عليه

24 ، كان يناهض هذه المدرسة مدرسة الحديث أو أهل الحديث، ونرى لهذه المدرسة أصولا في الصحابة، كالعباس، والزبير، ثم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومن هذه المدرسة الشعبي من التابعين فإنه يقول: «ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله فخذوه وما كان من رأيهم فاطرحوه في الحش»، ومذهب هؤلاء أنهم إذا سئلوا عن شيء فإن عرفوا فيه آية أو حديثا أفتوا وإلا لم يقولوا شيئا، روي أن رجلا سأل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء فقال: لم أسمع في هذا شيئا، فقال له الرجل: فأخبرني أصلحك الله برأيك، قال: لا، ثم أعاد عليه فقال: إني أرضى برأيك، فقال سالم: أنى؟ لعلي إن أخبرتك برأيي ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك، وروي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة، فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من صاحب الرأي

25 ، ومثل هذه الأقوال كثير.

وأظهر ما كانت هذه المدرسة في الحجاز لعكس الأسباب التي ذكرناها في العراق، وكان من مميزات هذه المدرسة: (1)

كراهيتهم الشديدة للسؤال عن الفروض؛ لأن المصدر عندهم وهو الحديث محدود، وهم يكرهون إعمال الرأي، وقد رويت أقوال كثيرة تدل على كراهيتهم للسؤال عن حادثة إلا إذا وقعت فعلا، وعيبهم على العراقيين إثارة الفروض. (2)

ومن مميزاتها الاعتداد بالحديث حتى الضعيف منه، وتساهلهم في شروطه وتقديمهم ذلك على الرأي، كالذي روينا عن أحمد بن حنبل.

وكانت هذه المدرسة كما أسلفنا سببا غير مباشر لوضع الحديث، فقد رأى قوم لا يتحرون الصدق أن هناك مسائل لا تعد لم يرد فيها نص، ورأوا أعلام مدرستهم لا تقدم على الرأي تحل به المشاكل، فوضعوا الأحاديث الكثيرة يغطون بها هذا الموقف، قال عتيق الزبيدي: وضع مالك الموطأ عن نحو من عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه كل سنة ويسقط منه حتى بقي هذا، ولو بقي قليلا لأسقطه كله

26 ، ومن أدلتنا على ذلك ما بين أيدينا من كتب الفقه حتى فقه الإمام أبي حنيفة المشهور في عصره بإعمال الرأي، فإنك لا تجد فرعا من فروعه إلا وفيه الحديث عن الرسول أو الصحابي، مع قول الثقات بأنه لم يصح عنده إلا أحاديث قليلة، وقد نبه العلماء على ضعف كثير مما ورد في هذه الكتب

فجر الإسلام · الصفحة ١١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١١٥