وعن شريح قال: قال لي عمر بن الخطاب: «أن أقض بما استبان لك من قضاء رسول الله، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم فاجتهد برأيك، واستشر أهل العلم والصلاح».
ولكن لم يوضع - مع الأسف - نظام ملزم واضح يبين كيفية الشورى ومن الذين يستشارون، وقيمة رأي المستشارين ... إلخ، مع أن الحاجة ماسة إلى هذا التنظيم؛ وقد سار الأندلسيون فيه خطوة سديدة بتكوين مجلس للشورى يعين أعضاؤه من قبل الخليفة، ليس هنا موضع الكلام عليه.
على كل حال وجد العمل بالرأي، ونقل عن كثير من كبار الصحابة قضايا أفتوا فيها برأيهم كأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل؛ وكان حامل لواء هذه المدرسة أو هذا المذهب فيما نرى عمر بن الخطاب؛ وأشهر من سار على طريقته عبد الله بن مسعود في العراق، فكان يتعشق عمر ويعجب بآرائه، وروي عنه أنه قال: إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم، وجاء في أعلام الموقعين أن ابن مسعود كان لا يكاد يخالف عمر في شيء من مذاهبه
18 ، وقال الشعبي: كان عبد الله لا يقنت، ولو قنت عمر لقنت عبد الله، وقال أيضا: «ثلاثة كان يستفتي بعضهم من بعض، فكان عمر وعبد الله «بن مسعود» وزيد بن ثابت يستفتي بعضهم من بعض، وكان علي وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري يستفتي بعضهم من بعض» وهذا الخبر يدلنا على أنه كان للصحابة العلماء مناح للتفكير، كل جماعة لهم منحى يألف بعضهم بعضا، ويؤيد بعضهم بعضا.
فكان عبد الله بن مسعود من منحى عمر، وأظهر مناحيه الاعتداد بالرأي حيث لا نص كما رأيت، وهذا المنحى يظهر في ابن مسعود واضحا أيضا، فقد قال أبو عمر الشيباني كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا لا يقول قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فإذا قالها استقلته الرعدة
19 ، وروي عن إبراهيم النخعي أنه كان لا يعدل بقول عمر وابن مسعود إذا اجتمعا، فإذا كان قول عبد الله أعجب؛ لأنه كان ألطف.
وأنت إذا علمت أن علم أهل العراق كان عن عبد الله بن مسعود، وأن مدرسة العراق توجت بابي حنيفة
20
رأيت سببا كبيرا من الأسباب التي جعلت مدرسة العراق تشتهر بالرأي وإعمال القياس.
انتشرت مدرسة الرأي هذه في القرن الأول والثاني للهجرة حتى كانوا ينسبون إليها، فسموا «ربيعة الرأي» وهو من أكبر التابعين وشيخ الإمام مالك وكان من الموالي؛ وكان كثير من التابعين وتابعيهم من هذه المدرسة كالحسن البصري، وكان أكبر موطن لها العراق، ويرجع ذلك إلى أسباب ثلاثة: (الأول):
ما ذكر من تأثير عبد الله بن مسعود فيهم، وهو ما علمت من ميل إلى الرأي يشارك فيه أستاذه عمر بن الخطاب. (والثاني):
ما ذكره ابن خلدون من أن الحديث كان في العراق قليلا، وكان أكثر رواة الحديث في الحجاز؛ لأنه موطن النبي
صلى الله عليه وسلم
وكبار الصحابة. (والثالث):
أن العراق قطر ممدن كما علمت قد تأثر إلى درجة كبيرة بالمدنية الفارسية واليوناينة، والمدنية تضع تحت عين المشرع جزئيات كثيرة تحتاج إلى التشريع لا يقاس بها القطر البدوي وما في حكمه، فإذا انضم إلى ذلك ما وصل إليهم من الحديث أنتج ذلك لا محالة إعمال الرأي.
وكان لمدرسة الرأي هذه مميزات واضحة: (1)
كثرة تفريعهم الفروع حتى الخيالي منها، وقد ألجأ إلى ذلك أولا كثرة ما يعرف لهم من الحوادث نظرا لمدنيتهم، ثم ساقهم ذلك إلى الجري وراء الفروض، فأكثروا من أرأيت لو كان كذا؟ فيسألون المسألة ويبدون فيها حكما، ثم يفرعونها بقولهم: أرأيت لو كان كذا؛ ويقلبونها على سائر وجوهها الممكنة وغير الممكنة أحيانا، حتى سماهم أهل الحديث «الأرأيتيون»، قال الشعبي: «والله لقد بغض هؤلاء القوم إلي المسجد حتى لهو أبغض إلي من كناسة داري؛ قلت: من هم يا أبا عمر؟ قال: الأرأيتيون»