بل يظهر لي أن عمر كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الذي ذكرنا، ذلك أن ما ذكرنا هو استعمال الرأي حيث لا نص من كتاب ولا سنة، ولكنا نرى عمر سار أبعد من ذلك، فكان يجتهد في تعرف المصلحة التي لأجلها كانت الآية أو الحديث، ثم يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه، وهو أقرب شيء إلى ما يعبر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيته، ودليلنا على ذلك ما روى عنه من العلماء من أحكام نذكر بعضها:
فقد قال الله تعالى:
إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ...
الآية، فجعل المؤلفة قلوبهم مصرفا من مصارف الزكاة، وقد ثبت أن النبي
صلى الله عليه وسلم
كان يعطي بعض الناس يتألف قلوبهم للإسلام، كما أعطى أبا سفيان والأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، كل واحد منهم مائة من الإبل، حتى قال صفوان: لقد أعطاني وهو أبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى كان أحب الناس إلي، ثم في زمن أبي بكر جاء عيينة والأقرع يطلبان أرضا، فكتب لهما بها، فجاء عمر فمزق الكتاب وقال: إن الله أعز الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم عليه وإلا فبيننا وبينكم السيف
16 ، فترى من هذا أن عمر علل الدفع إلى المؤلفة قلوبهم بعلة هي المصلحة، فلما ارتفعت هذه المصلحة بعزة الإسلام، وعدم حاجته إلى من تتألف قلوبهم لم يستمر في إجراء الحكم.
كذلك روي عن عمر أنه لم يقطع يد السارق في عام المجاعة، وروي أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة وأقروا على أنفسهم، فقال عمر: يا كثير بن الصلت، اذهب فاقطع أيديهم، فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم؛ وايم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك ... إلخ
17 .
ومثل ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: «إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه» إلى كثير من أمثال ذلك، ويكفينا هذا القدر للدلالة على ما نقول.
وقد وجدت نزعة من العصر الأول لتنظيم هذا الرأي من طريق الاستشارة، فقد أخرج البغوي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع عليه النفر كلهم يذكر فيه عن رسول الله قضاء ... فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر (رضي الله عنه) يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان فيه لأبي بكر قضاء، فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به، وإلا دعا رءوس الناس فإذا اجتمعوا على أمر قضى به.
وفي المبسوط للسرخسي «أن عمر كان يستشير الصحابة مع فقهه، حتى كان إذا رفعت إليه حادثة قال: ادعوا لي عليا، وادعوا لي زيدا ... فكان يستشيرهم ثم يفصل بما اتفقوا عليه».
وعن الشعبي قال: «كانت القضية ترفع إلى عمر (رضي الله عنه) فربما تأمل في ذلك شهرا ويستشير أصحابه، واليوم يفصل في المجلس مئة قضية».
وروي عن سعيد بن المسيب عن علي قال: «قلت يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه القرآن ولم تمض فيه منك سنة، قال: اجمعوا له العالمين أو قال: العابدين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد».