تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك عرضت فكرة جمع القرآن في مصحف، واختلف الرأي أولا بين أبي بكر وعمر، حتى شرح الله صدر أبي بكر لما يقول عمر.

وعرضت لهم مسألة الجد مع الإخوة، هل يرث الإخوة؟ فالقرآن لم ينص على هذه المسألة، إنما نص على الأب مع الإخوة، فذهب ابن عباس وأبو بكر إلى أنه يحجبهم كالأب، وذهب آخرون ومنهم زيد بن ثابت وعلي وعمر إلى إرثهم معه.

وأرادوا أن يعطوا العطاء، أعني الغنائم التي يغنمونها في الحروب، فاختلفوا هل يسوى بين المهاجرين والأنصار؟ فقال عمر: لا نجعل من ترك دياره وأمواله مهاجرا إلى النبي

صلى الله عليه وسلم

كمن دخل في الإسلام كرها؟ فقال أبو بكر: إنما أسلموا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ؛ وكان أبو بكر يعمل برأيه فيسوي بينهم، ولما أفضت الخلافة إلى عمر فرق بينهم ووزع على تفاوت درجاتهم، ولما رفعت إلى زيد بن ثابت مسألة من مات عن زوج وأبوين أعطى للأم ثلث ما بقي، فقال ابن عباس: أين وجدت في كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال زيد: أقول برأيي وتقول برأيك.

وفي تاريخ القضاة للكندي أن عياض بن عبيد الله قاضي مصر كتب إلى عمر بن عبد العزيز في مسألة، فكتب إليه عمر أنه لم يبلغني في هذا شيء، وقد جعلته لك فاقض فيه برأيك

12 ، والأمثلة الواردة في هذا الباب كثيرة جدا لا نطيل بسردها.

وعلى الجملة فقد كان كثير من الصحابة يرى أن يستعمل الرأي حيث لا نص من كتاب ولا سنة، والمتتبع لما روي عن العصر الأول في «الرأي» يرى أنهم كانوا يستعملون هذه الكلمة بالمعنى الذي نفهمه الآن من كلمة «العدالة» وبعبارة أخرى ما يرشد إليه الذوق السليم مما في الأمر من عدل وظلم، وفسره ابن القيم: «بأنه ما يراه القلب بعد فكر وتأمل، وطلب لمعرفة وجه الصواب»، وأنا أقص عليك بعض أمثلة رويت تبين كيف كانوا ينظرون إلى المسائل، وكيف يقبلونها على وجوهها، وكيف يستعملون رأيهم؛ من ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب لما استشار في ميراث الجد والإخوة، قال زيد - وكان رأيي يومئذ أن الجد أولى بميراث ابن ابنه من إخوته - فتحاورت أنا وعمر محاورة شديدة فضربت له في ذلك مثلا، فقلت: لو أن شجرة تشعب من أصلها غصن ثم تشعب في ذلك الغصن خوطان

13 ، ذلك الغصن يجمع الخوطين دون الأصل ويغذوهما، ألا ترى يا أمير المؤمنين أن أحد الخوطين أقرب إلى أخيه من الأصل؟ قال زيد: فأنا أعذله، وأضرب له هذه الأمثال، وهو يأبى إلا أن الجد أولى من الإخوة

14 .

ورفعت إلى عمر قصة رجل قتلته امرأة أبيه وخليلها، فتردد عمر: هل يقتل الكثير بالواحد؟ فقال له علي: أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور فأخذ هذا عضوا وهذا عضوا أكنت قاطعهم؟ قال: نعم، قال فكذلك؛ فعمل عمر برأيه وكتب إلى عامله أن اقتلهما، فلو اشترك فيه أهل صنعاء كلهم لقتلتهم

15 .

ولما اختلفوا في المسألة المشتركة وهي التي توفيت فيها امرأة عن زوج وأم وإخوة لأم وإخوة أشقاء، كان عمر يعطي للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث، فلا يبقى شيء للإخوة الأشقاء، فقيل له: هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا من أم واحدة! فعدل عن رأيه وأشرك بينهم.

ولما سئل علي في عقوبة شارب الخمر قال: من شرب هذي، ومن هذي افترى، فأرى عليه حد المفتري - وهو القاذف - ومثل هذا كثير مما يدل على مقدار تفكيرهم القانوني في هذا العصر.

ولعل عمر بن الخطاب كان أظهر الصحابة في هذا الباب، وهو استعمال الرأي، فقد روي عنه الشي الكثير، وكان هذا من توفيق الله للمسلمين، فإن عمر قد واجه من الأمور المحتاجة إلى التشريع ما لم يواجه خليفة قبله ولا بعده، فهو الذي على يده فتحت الفتوح ومصرت الأمصار، وخضعت الأمم الممدنة من فارس والروم لحكم الإسلام، وهي حالة لم يحدث بعد نظيرها، فكان لعمر من التشريع في المسائل الاقتصادية والسياسية والعمرانية ما كان أصلا للفقهاء من بعده، ولذلك يقول فيه الفقهاء في باب الجهاد والسير - وهو الباب الذي تبين فيه علاقة الغالبين بالمغلوبين - «إنه العمدة في هذا الباب».

فجر الإسلام · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١١٢