صلى الله عليه وسلم
لا يقر على خطأ، فما اجتهد فيه وأقر عليه كان - لا شك - حجة
10 .
وأحاديث الأحكام كثيرة وردت في كل الأنواع التي ورد فيها القرآن فبينت مجمله، وقيدت مفصله، وزادت أشياء كثيرة لم يذكرها القرآن، وقد عني العلماء قديما بجمعها، ورتبوها حسب الترتيب الفقهي
11 .
هذان الأصلان - الكتاب والسنة - هما مصدر التشريع في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك يتبين أن أساس القانون الإسلامي إلهي، مصدره الله فيما نص عليه من كتاب وحديث، ليست لأية سلطة حق في مخالفتها، ولا الخروج على ما ورد في نصوصها، إنما يجتهد المجتهدون فيما لم يرد فيه نص، مسترشدين بما ورد في الكتاب والسنة من قواعد كلية، وبذلك تخالف القوانين الوضعية، ففيها تكون السلطة التشريعية في منتهى الحرية في تفسير قانون أو تعديله أو إلغائه، وليس الشأن كذلك في القوانين الإلهية ، فحرية الفقهاء والخلفاء محدودة في دائرة فهم نصوص القرآن، ومقدار الثقة بالحديث وعدمها، لم يرد فيه كتاب ولا سنة صحيحة. •••
توفي رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وانقطع الوحي، واتسعت المملكة الإسلامية اتساعا عظيما وسريعا وعجيبا، ففي السنة الرابعة عشرة من الهجرة فتحت دمشق، وفي السابعة عشرة تم فتح الشام كله والعراق، وفي الحادية والعشرين تم فتح فارس، وفي السادسة والخمسين وصل المسلمون إلى سمرقند، وفي الغرب أخذت مصر في سنة عشرين، ثم امتدت الفتوح إلى المغرب، وأخذت إسبانيا حول سنة 93ه، ونال المسلمون من الغنى في المال والرقيق وزخرف الحياة ما لا عهد لهم به من قبل، وكانت هذه الممالك المفتوحة غنيمة، وكانت ممدنة كأرقى ما وصلت إليه المدنية في ذلك العصر؛ تمثلت الحضارة الفارسية في فارس والعراق، والحضارة الرومانية في مصر والشام، ولم يكن الفتح الإسلامي سلبا ونهبا وتدميرا، إنما كان فتحا منظما يسير فيه القراء والمعلمون والقانونيون مع الجند الفاتحين، ويحلون حيث حل الجند، فواجه المسلمون بهذا الفتح مسائل كثيرة - في كل شأن من شئون الحياة - تحتاج إلى تشريع لم يكونوا يحتاجون إليه وهم في جزيرة العرب؛ فنظام للري يخالف ري الجزيرة، وما كان منه في العراق يخالف ما كان منه في مصر، ومسائل مالية عديدة معقدة لا تقارن بالشئون المالية بجزيرة العرب، ومسائل الجيش والفتوح ومعاملة المغلوبين وعلاقة الفاتحين بهم، وما يؤخذ من الضرائب ممن أسلم وممن لم يسلم، وأحوال في الزواج لم يكن يعرفها العرب، وأنواع في طريقة التقاضي، لم يكن لهم بها عهد وجنايات ترتكب لم يرتكبها العرب في حياتهم البسيطة؛ وقل مثل ذلك في سائر الشئون الداخلية والخارجية، فواجه المشرعون الأولون أمرا عظيما ولم يدع أحد أن القرآن والسنة الصحيحة نصا في المسائل الجزئية على كل ما كان وما هو كائن، فنتج عن هذا أن كان أصل آخر من أصول التشريع، وهو الرأي الذي نظم بعد وسمي القياس.
جرى على هذا كثير من الصحابة، فكانوا يستعملون رأيهم حيث لا نص، وقد نقل إليها المؤرخون والمحدثون والفقهاء جملة صالحة من المسائل التي استعمل فيها الصحابة رأيهم؛ فلم يكد يتوفى النبي
صلى الله عليه وسلم
حتى رأوا أنفسهم أمام أكبر مشكلة قانونية، وهي من يتولى الأمر بعده، أمن المهاجرين أم من الأنصار؟ أم من هؤلاء أمير ومن هؤلاء أمير؟ وإذا فصل في ذلك، فمن هو خير من يتولاها؟ لم يرد في ذلك نص من كتاب ولا سنة، فلم يكن إلا أن يستعملوا رأيهم وقد كان؛ فالمحضر الذي ذكره المؤرخون لاجتماع السقيفة يدلنا على كيفية استعمال رأيهم، وتقليب الأمر على وجوهه ولم يفرغ أبو بكر من مبايعة الناس له حتى واجه مسألة الردة، فرأى قوما يمتنعون عن أداء الزكاة مع إقرارهم بالإسلام وإتيانهم للصلاة، فكيف يصنع بهم، ولم تحدث حادثة كهذه في عهد النبي؟ فلجئوا إلى الرأي، فقال عمر: كيف نقاتلهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، فقال أبو بكر: ألم يقل إلا بحقها؟ فمن حقها إيتاء الزكاة كما أن من حقها إقام الصلاة.