وقد لاحظ الشاطبي - بحق - أن التشريع المكي قل أن يتعرض للنسخ، والعلة في ذلك ما علمنا أن التشريع المكي إنما يتعرض لأصول الدين من توحيد وترك أوثان ودعوة إلى مكارم الأخلاق، وهذه غير معقول فيها نسخ، إنما يحصل النسخ أحيانا للأحكام الدينية التفصيلية، وذلك كان في المدينة.
تعرض القرآن في آيات الأحكام إلى جميع أنواع ما يصدر عن الإنسان من أعمال، إلى العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج، إلى الأمور المدنية كبيع وإجارة وربا، إلى الأمور الجنائية من قتل وسرقة وزنا وقطع طريق، إلى نظام الأسرة من زواج وطلاق وميراث، إلى الشئون الدولية كالقتال، وعلاقة المسلمين بالمحاربين، وما بينهم من عهود وغنائم الحرب؛ وهو في هذا كله لا يتعرض كثيرا للتفاصيل الجزئية، إنما يتعرض غالبا للأمور الكلية، فهو لا يتعرض في الصلاة مثلا إلى أوقاتها وهيئاتها، وفي الزكاة إلى مقدار الواجب فيها وأنواع ما يجب، وهكذا في بقية الأبواب، بل ترك ذلك إلى الرسول يبينه بقوله وفعله.
وهو في كثير من شئون التشريع مجدد مصلح، قد أدخل على النظام الجاهلي تغييرات وتعديلات يطول شرحها، فهو يقلل عدد الزوجات، ويزيد في حرية المرأة، ويغير كثيرا من عادات الجاهلية في زواجهم وطلاقهم، ويضع نظاما للإرث يخالف النظام الجاهلي؛ فقد كانوا في الجاهلية - مثلا - لا يورثون النساء، ولا الصغار من أبناء الميت، إنما يورثون من يلاقي العدو، ويقاتل في الحروب
7 ، فشرع الإسلام توريث المرأة وكان ذلك شديدا على النفوس؛ فقد روي عن ابن عباس أنه قال: «لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس، وقالوا تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة! ... إلخ»
8
ومن أجل هذا أكد القرآن إعطاء المرأة نصيبها، وكرر ذلك في أكثر من موضع؛ وهكذا في كثير من الشئون التي تعرض القرآن لبيان أحكامها، ولسنا نستطيع هنا ذكر جميع ما شرعه القرآن من الأحكام
9 . •••
وهناك نوع آخر من التشريع كان في عهد رسول الله، وهو التشريع بالسنة، ويختلف عن الكتاب في أن القرآن ألفاظه ومعانيه بوحي من الله، وأما السنة فألفاظها من عند الرسول، فالسنة أو أحاديث الرسول بينت كثيرا من آيات القرآن كالذي رأيت في آيات الصلاة والزكاة، فالقرآن لم يبين هيئات الصلاة ولا أوقاتها، ولم يبين المقادير الواجبة في الزكاة ولا شروطها، إنما بين ذلك النبي بقوله أو فعله؛ كذلك حدثت حوادث وخصومات قضى فيها النبي بالحديث لا بالقرآن فكان قضاؤه في ذلك تشريعا، فكل ما قاله النبي أو فعله أو حدث أمامه واستحسنه كان تشريعا، ومتى ثبت ذلك عن رسول الله كان في القوة بمنزلة القرآن، ولكن قل أن يثبت ثبوتا لا يحتمل الشك لما بينا قبل في كلامنا على الحديث.
ويتصل بهذا النوع ما ارتضاه أكثر الأصوليين من أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
كان يجتهد برأيه حيث لا يكون وحي، وأنه كان أحيانا يخطئ في رأيه، واستدلوا على ذلك بأنه عوتب في أسرى بدر بقوله تعالى:
ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ، وكان قد أشار عليه عمر بالقتل، ولو كان حكم بمقتضى الوحي ما عوتب؛ وروي أنه
صلى الله عليه وسلم
قال في حق مكة: «لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها»، فقال العباس: إلا الإذخر، فقال
صلى الله عليه وسلم : إلا الإذخر، ونزل
صلى الله عليه وسلم
منزلا للحرب فقيل له: إن كان بوحي فسمعا وطاعة، وإن كان باجتهاد ورأي فليس منزل مكيدة، فقال: باجتهاد ورأي، فرحل؛ وقال
صلى الله عليه وسلم
في حجة الوداع: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي»، وقال
صلى الله عليه وسلم : «إنك تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقضي له قطعة من نار» ولكن اتفقوا على أنه