يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ...
الآية
5 .
وأحيانا تحدث حادثة جزئية تستدعي نزول آيات تبين أحكام الموضوع كله كآيتي الميراث:
ستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ...
الآية
5 .
ولعلك لمحت معي ما ذكرت من حادثة كبيشة أن الناس حتى في المدينة كانوا يسيرون فيما لم يرد فيه حكم إسلامي على المألوف عندهم في الجاهلية حتى يغيره الإسلام أو يقره، بل قد روي لنا أن بعض من ينتسب إلى الإسلام - في العهد الأول بالمدينة - كان يريد أن يسير على النمط الجاهلي في التقاضي وفي الحكم، فقد جاء في الطبري أن رجلا من الأنصار يقال له قيس ورجلا من اليهود، تخاصما فتنافرا إلى كاهن بالمدينة ليحكم بينهما، وتركا نبي الله
صلى الله عليه وسلم ، وكان اليهودي يدعوه إلى نبي الله وقد علم أنه لن يجور عليه، وجعل الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم ويدعوه إلى الكاهن، فأنزل الله تعالى:
ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا
إلى أن يقول:
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما
وفي موضع آخر:
أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون
ولعل هذه الآيات هي أول ما نبه إلى وجوب رجوع المسلمين في تقاضيهم إلى أحكام الإسلام.
ويمكننا أن نقول: إن آيات الأحكام بالمدينة كانت تنزل حسب تطور جماعة المسلمين بالمدينة، ولو وقفنا على تاريخ نزول آيات الأحكام بها وتتبعنا تسلسل الآيات تبعا لتسلسل الحوادث لفهمنا أصدق فهم حالة المسلمين الاجتماعية وتدرجها في الرقي، وفهمنا بحق مجمل الآيات ومفصله، ومطلقها ومقيدها، ولعل هذا المعنى هو الذي يرمي إليه «الشاطبي» في كتابه «الموافقات» من قوله: «المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، على حسب ترتيبه التنزيل ... إلخ»
6
فالدعوة السلمية في مكة ثم تشريع الحرب والجهاد في أول عهد الإسلام بالمدينة، ثم التوسع في أحكام الحرب بعد ذلك، والأمر بالزكاة على وجه عام ليس فيه تقدير ما في مكة، ثم تحديد القدر وبيان مصارف الزكاة في المدينة، كل هذا - ونحوه كثير - كان تابعا لنمو جماعة المسلمين ورقيهم، فكان التشريع ينزل طبقا لحالتهم، وقل مثل ذلك فيما ورد من آيات مسالمة لليهود أول الأمر، ثم آيات شدة وحرب لما ناصب اليهود المسلمين العداء، بل ترك الإسلام الناس يأتون بعادات جاهلية لا يحبها كالخمر، استدراجا لهم وتأليفا لقلوبهم، حتى إذا نضجوا وأصبح من الممكن تنفيذ الأمر والنهي أمر ونهى.
وهذا التدرج ومراعاة حال جماعة المسلمين هي التي تفسر لنا العلة في تشريع النسخ، وهو أداة لا بد منها في القوانين الإلهية والوضعية، يقول الله تعالى:
ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها
ويقول:
وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ، ويقول الطبري في تفسير النسخ: «أن يحول الحرام حلالا، والحلال حراما، والمباح محظورا، والمحظور مباحا»؛ وعللوا جواز النسخ بأن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات، وقد حدث ذلك فعلا في الشريعة الإسلامية، فقد أمرت المرأة أن تعتد حولا إذا مات عنها زوجها
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول
ثم نسخ باعتدادها أربعة أشهر وعشرا في قوله تعالى:
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ، وحصل مثل ذلك في الحديث: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فالآن ادخروها»، و«كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها».