تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما التشريع في الأمور المدنية من بيع وإجارة وربا ونحو ذلك، والجنائية من قتل وسرقة، والأحوال الشخصية من زواج وطلاق، فكل ذلك كان بعد أن هاجر النبي

صلى الله عليه وسلم

إلى المدينة، ولعل خير ما يوضح هذا النوع من التشريع سورتا البقرة والنساء المدنيتان، والعلة في ذلك واضحة، فإن أصول الدين وهي التي جاء بها التشريع المكي مقدمة في الأهمية وفي المنطق على أصول الأحكام التي جاء بها التشريع المدني، وأيضا فإن الأحكام هي أشبه ما تكون بقوانين الدولة، وهي إنما توضع بعد تكون الدولة وقرارها، ولم يكن الحال كذلك إلا في المدينة، أما في مكة فقد تقضى زمن النبي

صلى الله عليه وسلم

بها في دعوة الناس إلى الدين الجديد، ولم يدخل فيه في السنوات الأولى إلا العدد القليل.

وهذه الآيات القانونية، أو كما يسميها الفقهاء آيات الأحكام ليست كثيرة في القرآن، ففي القرآن نحو ستة آلاف آية، ليس منها مما يتعلق بالأحكام إلا نحو مئتين وحتى بعض ما عده الفقهاء آيات أحكام لا يظهر أنها كذلك، وليس عدها من آيات الأحكام إلا مغالاة في الاستنتاج، لا يساعد عليه سياق الآيات، وذلك كاستنتاج أن لفظ «أشهد» من ألفاظ اليمن من قوله تعالى:

ذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جنة ، وكاستنتاج حرمة لحم الخيل والبغال والحمير من قوله تعالى:

والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون

واستنتاج وجوب الأضحية من قوله تعالى:

إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر

إلى كثير من أمثال ذلك.

وترتيب القرآن توقيفي، لم يراع فيه تاريخ النزول، ولا اتحاد الموضوع؛ لذلك لا ترى الآيات القانونية قد جمعت في موضوع واحد، ولا الآيات المتعلقة بموضوع واحد في مقام واحد أو مقامين إلا نادرا كآيات المواريث وآيات الطلاق، والسبب في ذلك على ما يظهر أن القصد الأول للقرآن تأسيس أركان الدين، والدعوة إلى التوحيد، وتهذيب النفوس، ووضع مبادئ للأخلاق، فأما القصد التشريعي فيلي هذا، ومن ثم كان كثير من آيات التشريع واردا في سياق القصد الأول وعلى أسلوب الدعوة والهداية، لا على الأسلوب القانوني المألوف مثل:

يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون * وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين .

وكان التشريع أكثر ما يكون بمناسبة حوادث تحدث، فيتحاكم فيها المتخاصمون إلى الرسول، فتنزل الآية أو الآيات ناطقة بالحكم؛ مثل ما روي أن رجلا من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه، فترافعا إلى النبي

صلى الله عليه وسلم

فنزلت:

وآتوا اليتامى أموالهم

الآية. وكالذي روي أن أهل المدينة - في الجاهلية وفي أول الإسلام - كانوا إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قرابته من عصبته فألقى ثوبه على تلك المرأة فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها وضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها؛ فتوفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة

4 ، فقام ابن له من غيرها فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها، يضارها لتفتدي منه بمالها، فأتت كبيشة إلى رسول الله وقصت قصتها، فقال لها رسول الله، اقعدي حتى يأتي فيك أمر الله؛ فانصرفت، وسمعت بذلك نساء المدينة فأتين رسول الله، وقلن ما نحن إلا كهيئة كبيشة، فأنزل الله:

فجر الإسلام · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٠٨