تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ [الأنعام /51].

ويقول تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس/18]. والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة.

وقد فهم الوعيدية من الخوارج والمعتزلة هذه الآيات وأمثالها على أنها دالة على نفي الشفاعة مطلقاً، ولم يفرقوا بين الشفاعة المنفية التي هي بمعنى نفي ملكية الشفاعة بغير إذن الله واستحقاق الإجابة على الله، وبين الشفاعة التي يأذن فيها لمن يشاء من عباده كما وردت في ذلك نصوص أخرى.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التفريق بين الشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة: (الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق، وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته. فأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع، لم يكن مستقلاً بالشفاعة، بل يكون مطيعاً له أي تابعاً له في الشفاعة، وتكون شفاعته مقبولة

ص 147

ويكون الأمر كله للآمر المسؤول) (1).

والله مع أنه مالك الشفاعة فإنه قد يأذن فيها لمن يشاء من عباده، ولا يلزم من ذلك أن يكون المأذون له في الشفاعة قد ملكها مع الله، بل هي لله وحده قبل الإذن وبعده. وإنما يكرم بها الله بعض عباده ويشرفهم فيقبل شفاعتهم إذا كانت شفاعتهم عنده مرضية شرعاً.

كما أنه لا يلزم أن من أذن الله له في الشفاعة وأكرمه بذلك أن يكون الإذن له مطلقاً، لأنه لا فرق في الحقيقة بين ملكية الشفاعة والإذن المطلق فيها، وإنما يكون الإذن مقيداً في كل شفاعة على الخصوص.

ولهذا لم يقبل شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أمه، ولا في أن يستغفر لبعض المنافقين، كما لم يؤذن لإبراهيم عليه السلام في أبيه، ولا لنوح عليه السلام في إبنه، مع أنهم أعظم الناس جاها ومنزلة عند الله، وإنما منع قبول الشفاعة منهم عدم رضى الله عن عمل المشفوع لهم، لكونهم على الكفر، وسيأتي الكلام عن هذا قريباً.

ومن كل ما تقدم تبين أن من جعل المرجح والأصل في قبول الشفاعة مجرد إرادة الشافع، وأنه يشفع عند الله كما يشفع خواص الملوك ومن لهم منزلة عندهم، فإنه يكون بذلك مشركاً، لأنه قد جعل على الله ضرورة من غيره، وقيد إرادة الله ومشيئته بإرادة المخلوق، مهما يكن جاهه ومنزلته عند الله.

(1) () "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – (1/ 118).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ٩٩