إنه عز وجل مالك الملك ورب جميع المخلوقات، وأن له التصريف والتدبير مطلقاً، وبذلك يعلم بطلان شرك اتخاذ الوسائط رجاء
ص 145
النفع بالرزق والعطاء، وهذا هو مقتضى عموم قدرته عز وجل. ولابد من تفصيل القول في هاتين الحقيقتين:
***
أولاً: شرك الشفاعة:
وحقيقته: طلب الشفاعة من غير الله تعالى، على جهة أن المطلوب يملك الشفاعة ويستحق الإجابة على الله، وأن للشافع حقاً على الله تعالى، كما يكون من شفاعة من لهم جاه ومنزلة عند الملوك، فقد يجيبونهم إلى ما شفعوا فيه وإن كانوا يكرهون ذلك، وإنما أجابوهم رغبة أو رهبة، وذلك ولا شك تنقص لربوبية الله تعالى، وتقييد لإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى. فالكلام في استحقاق الله للشفاعة وكونها حق خالص له وحده فرع من الكلام في إرادة الله وعمومتها وشمولها، وكونها نافذة في جميع مخلوقاته.
فمن أثبت لغير الله حق الشفاعة عند الله فقد قيد إرادة الله بإرادة المخلوق، وجعل إرادة المخلوق نافذة وحاكمة على إرادة الله سبحانه بينما المخلوق هو الذي لا يكون له فعل إلا بإرادة الله تعالى، فمشيئة المخلوق محكومة بمشيئة الله، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير /29].
فالعبد هو الذي تقيد مشيئته بمشيئة الله، وليس الله هو الذي تقيد مشيئته بمشيئة العبد.
ولأن مشيئة الله نافذة على كل مخلوق، وهو سبحانه لا مكره له، ولا استحقاق لأحد عليه، فمقتضى ذلك أن لا يكون لأحد حق الشفاعة عنده، بل الشفاعة لله وحده، يأذن فيها لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء.
ص 146
ولهذا نفى الله أن يكون غيره يملك الشفاعة من دونه في آيات كثيرة فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة /4].
وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر / 18].
ويقول تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ﴿43﴾ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [43 - 44].