ص 142
2 - شرك الطلب:
وحقيقة اتخاذ واسطة بين المخلوق والخالق، سواء كانت تلك الواسطة فيما يتعلق بالتدبير والتصريف، أو فيما يتعلق بالتشفع إلى الله بتقريب طالب الشفاعة.
واتخاذ تلك الوسائط قد يكون بتعلق القلب بها من جهة الاستعانة وطلب جلب الخير منها ودفع الضر بها فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وقد يكون بالتقرب إليها بالعبادة رجاء خيرها ودفع الضر بها أيضاً.
وليس معنى اتخاذ وسائط من دون الله أن يعتقد فيها الاستقلالية بالتأثير، بل المشرك هو من اعتقد لغير الله من تلك الوسائط ما هو خاص بالله وحده.
فهو حين يتخذ الوسائط لا ينكر أن الله هو الخالق وهو المدبر والمصرف لجميع مخلوقاته، وهو الكامل المطلق المستحق للألوهية والعبادة. وإنما يتخذ الوسائط ظناً أنها تكون مصدر خير وعطاء لمن كان له بها علاقة.
وهذا الظن في تلك الوسائط مصدره أن لها منزلة عند الله تعطي بها من تشاء ما تشاء وتقرب إلى الله من تشاء.
وعلى هذا يستعين بها المشرك في قضاء حاجاته وطلب القرب من الله، لا أنه يعتقد فيها أنها تخلق ونحو ذلك من صفات الربوبية وخصائصها.
وهذا هو معنى ما ذكره الله تعالى عن المشركين في سبب عبادتهم
ص 143
لأصنامهم وأنهم كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر /3].
يقول قتادة رحمه الله: (كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم ومن خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا: الله. فيقال لهم: ما معنى عبادتكم للأصنام؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى ويشفعوا لنا عنده) (1).
لكن المشركين لم يكتفوا باتخاذ الوسائط حتى اتخذوا ما يذكرهم بها من المحسوسات من أصنام وأحجار وكهوف ومغارات وغير ذلك تعلقوا بها انحرافاً في الخيال وتعلقا بالوهم.
وعلى هذا فلا اعتبار لتلك الأحجار والأشجار ونحو ذلك لذاتها هي، وإنما لأجل تعلقها بما اتخذوه واسطة بينهم وبين الله. وقد يصورون الصنم ثم يتخذون غيره مكانه، لأن ما اتخذوه لأجله لا يتعدى مجرد التذكير بالوسائط الأصلية.
(1) () "فتح القدير" للشوكاني (4/ 449).