والحقيقة أنها فعلاً قاعدة عامة، حيث إن الشبهة لا تخص امرأة دون امرأة، ولا امرأة دون رجل، بل ذلك ما يقتضيه العقل والشرع من جواز التوقف في الحكم حتى التبين عن طريق امتحان واختبار) (1).
وعلى هذا الاستدلال ملاحظات:
أولاً: إن آية الامتحان هذه نزلت لبيان حكم حالة خاصة، ملخصها: أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان قد عاهد قريشاً وعاقدها في صلح الحديبية على إلا يأتيه من قبل المشركين أحد ولو كان مسلماً إلا رده عليهم. هكذا على
ص 128
العموم. ثم جاءت آية الامتحان تخصيصاً لذلك العموم باستثناء النساء المؤمنات، وأنهن لا يرجعن إلى أزواجهن إذا هاجرن، لأنهن لا يحلون لأزواجهن المشركين، ولا أزواجهن يحلون لهن. قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة/10]. فانتفى عقد الزوجية بين المسلمة والمشرك، وبين المسلم والمشركة، وبقي حق الصداق، سواء كان ذلك لمشرك أو مسلم، فأمر الله أن يؤدى إلى الزوج، مسلماً كان أو مشركاً قال تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة/10).
فكان لابد من معرفة المهاجرة المسلمة من غيرها لتطبيق هذا الحكم. لأن الزواج عقد والعقود لا تفسخ إلا بأمور ظاهرة، وكذا سائر المعاملات وأحكام القضاء لا تترتب إلا على أمور ظاهرة. (2)
ثانياً:
إن حقيقة الخلاف ليست في اعتبار الآية دليلاً على مجرد التوقف من حيث العموم، وإنما في الاستدلال بها على التوقف عن الحكم بالإسلام لمن أظهر شعائره. وهذا غير متحقق فيما استدلوا به من آية الامتحان. بل قد ثبت في الحديث المتفق عليه من رواية عائشة رضي الله عنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله
(1) () المرجع السابق (ص/129).
(2) () انظر " تفسير: الشيخ السعدي" (7/ 358).