تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شرعاً، فاستحال أن يكون الله قد أمرنا في شرعه بالحكم بإسلام أو بكفر أحدهم في مثل هذه الحالة، وما دام الحكم بالإسلام أو الكفر في مثل هذه الحالة استحال أن يكون من شرع الله، فقد وجب التوقف عن الحكم حتى التبين ببينة تصلح للتفرقة. وهذه البينة قد بيناها تفصيلياً قبل ذلك، وجعلنا لها حداً أعلى وحداً أدنى، وهي في مجموعها أن نعرف عن المتوقف فيه الكفر بالطاغوت قلباً ويداً ولساناً.

فجاز لنا أن نقول من غير افتراء على دين الله، ولا تقول بغير علم على الله، إنه في هذه المجتمعات الجاهلية والتي تسمت باسم الإسلام وراثة من التاريخ، لا يكون تلبس من لا نعرفه فيها ببعض المظاهر الإسلامية كافياً بمفرده كدليل للحكم بإسلامه، كما أن مظاهر الكفر التي تقوم عليها هذه المجتمعات وتظهر في عموم أفرادها ليست أيضاً كافية لسحب حكم الكفر على كل أحد فيها. بل يجب التوقف عن الحكم على من لا نعرفه حتى نتبين كفره من إسلامه بالتبين الذين ذكرناه فنحكم عليه بذلك) (1).

إن الذي يعنينا هنا هو ما يتعلق بالحكم على المعين مع ظهور ما يدل على إسلامه، و أما ما يتعلق بالحكم على المجتمع ككل وهل الأصل في الناس من حيث العموم هو الكفر أو الإسلام أو التوقف؟ فذلك حكم نظري لا واقع له، إذا لم يلحق وصف المجتمع الأفراد الذين يعيشون فيه. فليس كل من حكم على الدار أنها دار كفر يقول إن جميع من فيها كفار، ولا كل من قال إن المجتمع جاهلي يلتزم بأن أفراد ذلك المجتمع كفار. بل الدار والمجتمع لهما أحكام وضوابط تختلف عن الضوابط المتعلقة بالحكم على الفرد.

وإذن فسيكون مجال النقاش هنا هو ما يتعلق بحكم الفرد الذي يتظاهر ببعض شعائر الإسلام قبل التبين الذي يلتزمون به لإثبات وصف الإسلام للمعين. وما يهمنا هنا هو ما يستدلون به على شرعية التوقف وتطبيقها على هذه الحالة. وعمدتهم في ذلك هو ما فهموه من الأمر بامتحان المهاجرات، وتبين هل هاجرن لله ورسوله أم هاجرن وهن كافرات، ورتبوا على ذلك أن حكمهن قبل التبين كان مجهولاً، ولم تعرف حقيقة كل مهاجرة إلا بعد تبين حالها. وعندهم أن هذا دليل على التوقف الذي يقولون به.

يقول شكري في ذلك: (والامتحان طلب من المؤمنين بالطبع لمعرفة ظاهر الإيمان، يعني ظاهر الإسلام لا حقيقة الإيمان، إذ لا يوجد امتحان لمعرفة حقيقة الإيمان ... ومعنى أننا نعمل امتحاناً يعني ذلك يقيناً أننا نجهل الحكم فيهن قبله سلباً أو إيجاباً، وذلك هو عين التوقف هذا، ومع أن المهاجرة كانت امرأة واحدة، وهي سبيعة رضي الله عنها إلا أن الله قد عمم القضية وجعلها قاعدة شاملة، قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ ... ﴾

(1) () "التكفير والهجرة وجهاً لوجه" رجب مدكور (ص/148).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ٨٦