ولكن بعد أن يقرروا هذه القاعدة النظرية التجريدية يواجههم الواقع بأن تلك الجماعة التي لها سلطان تستطيع به استيفاء حد الإسلام غير موجودة. فما الحل؟ هل نرجئ الحكم للناس بالإسلام مطلقاً حتى تقوم هذه الجماعة وتتحقق في الواقع أم ماذا؟.
لقد توصلوا إلى أن شرط وجود المعين ضمن جماعة مسلمة تستوفي حد الإسلام لابد من توسيعه حتى يشمل واقعاً ليست فيه تلك الجماعة. فكانت النتيجة أن قالوا إنه يكفي لثبوت وصف الإسلام للمعين السعي لإقامة تلك الجماعة.
يقول شكري: (إن الادعاء بالدخول في الإسلام وإظهار الانتماء إليه بقولة أو شعيرة لا يكفي بمفرده للحكم بإسلام المتلبس به إلا بشرط انتمائه للجماعة الإسلامية.
والآن لا توجد هذه الجماعة، ولا يوجد إلا الادعاء المصاحب لقولة أو شعيرة، فمقتضيات الحكم إذن – بناء على ذلك – غير موجودة داخل زمان تلك المجتمعات الإسلامية.
ولكن في الحقيقة لو تمعنا في مدلول ذلك الشرط الثاني وهو (وجود
ص 124
الجماعة المسلمة) لعلمنا الآتي: أنه خارج عن تكليف المسلم بمفرده و أنه غير مسؤول عن وجوده، ولكنه مسؤول فقط عن السعي لإيجاده عن طريق إنكار المنكر والسعي لتغييره يداً ولساناً وقلباً، وهذا الأخير بالذات (قلباً) لأنه الحد الأدنى للإسلام، وهو ما يجب أن نحاسب الناس عليه) (1).
وحين نصل إلى هذا الحد من فكر هذه الجماعة ندرك مدى التناقض والاضطراب في منهجهم وأصولهم.
فأولاً كانت الجماعة المسلمة ذات السلطان شرطاً لثبوت وصف الإسلام بمجرد التظاهر بأي شعيرة من شعائر الإسلام. ثم أصبح السعي لإقامة تلك الجماعة وأدناه إنكار المنكر بالقلب.
وهنا يقال للرد عليهم:
إذا كان الالتزام بالفرائض فريضة فريضة شرطاً لثبوت وصف الإسلام، وكان لا يمكن استيفاء ذلك في حال غياب الجماعة المسلمة فإنه يلزمهم أن الالتزام بالفرائض ليس داخلاً في حد الإسلام، لأنه لا يمكن استيفاؤه في هذه الحالة، لعدم وجود الجماعة ذات السلطة التي تستوفي ذلك، وما لا يمكن استيفاؤه كيف يكون مناطاً للحكم للمعين بالإسلام؟
(1) () المرجع السابق (ص/181 - 182).