وهي الشهادة لست مؤمناً. وقيل هما بمعنى التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام، أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم: لست مؤمناً، والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه، ويقولوا إنه إنما جاء بذلك
ص 122
تعوذاً وتقية) (1).
ومن كل هذا يتضح أنه لو كان معنى التبين في الآية ما قالوه لتعارض أول الآية وآخرها، فكان أولها آمراً باختبار حال من أظهر الإسلام وعدم الحكم بإسلامه إلا بعد التبين، ولكان آخرها ناهياً عن نفي وصف الإسلام عمن أظهر الإسلام والأمر بعدم اعتبار مجرد الشك في أن من يفعل ذلك إنما يفعله تعوذاً.
وهذا كافٍ في بيان أنه ليس لهم على التبين الذي يقولون به دليل معتبر، و أنه أمر محدث.
********
كيف يكون التبين عندهم؟
بعدما قرروا أن مجرد الإقرار لا يكفي لثبوت وصف الإسلام للمعين و أنه مجرد ادعاء. أرادوا أن يكون لهم منهج يتحقق به استيفاء حد الإسلام، وطريقة يحكمون بها للمعينين بالإسلام.
وكانت النتيجة أنهم ابتدعوا أمراً آخر لثبوت وصف الإسلام للمعين وهو اشتراط أن يكون المعين ضمن الجماعة الإسلامية التي تستوفي حد الإسلام، بحيث لا يمكن أن يعيش فيها من يظهر الإسلام وهو لا يؤدي حقوقه. لأن من لم يؤد حقوق الإسلام في المجتمع المسلم يحكم بردته وقتله.
يقول شكري: (إن من ينسب نفسه إلى الإسلام في هذه المجتمعات بقولة أو شعيرة لا نضمن منه استيفاء حقوق (لا إله إلا الله) ولا حقوق الإسلام كحد أدنى، والغالب العام هو أنه يضيع بعضها أو كلها ولا
ص 123
يعرف خلاف ذلك منه. ولا أحد يؤدي حقها إلا مستوى خاص أو متدين زائد، وأصبحت قولة لا إله إلا الله أو فعل شعيرة من شعائر الإسلام ليست برهاناً كافياً على أن صاحبها مسلم ولا تدل عليه. ولا تنتقل خطوة واحدة عن كونها ادعاء للإسلام يحتاج إلى بينة، إن إثباتاً و إن نفياً. فالإنتساب للجماعة الإسلامية أو الدولة الإسلامية شرط يقيني لازم في إيجاب الحكم بإسلام من يدعي الإسلام بقولة أو شعيرة) (2).
(1) () "فتح القدير" الإمام الشوكاني (1/ 501).
(2) () " التكفير والهجرة وجهاً لوجه" رجب مدكور (ص/179 - 180)