تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الموطأ عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب". قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج واليقين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" فأجلى يهود خيبر. (1)

وكل هذا مما يدل دلالة قاطعة على أن المراد بالحديث أن من نطق بالشهادتين عصم دمه وماله لأجل إسلامه، لأنه لا يقبل منه إلا ذلك. فالحديث إذن بلفظه وسياقه يدل على خلاف ما فهموا منه.

و أما ما فهموه من آية النساء وهي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا .. ﴾ [النساء/94]. من أن المراد بذلك الأمر بالتبين عن حال المعين مما يقتضي عدم الجزم له بحكم الإسلام فذلك ما تدل الآية نفسها في آخرها على بطلانه.

وكمال الآية هو قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء/94].

وفيها نهي صريح عن نفي وصف الإسلام عمن تظاهر بأي من شعائر الإسلام كالسلام مثلاً.

ص 121

وفي الحديث المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول هذه الآية قال: (لقي ناس من المسلمين رجلاً في غنيمة له فقال السلام عليكم، فأخذوه وأخذوا تلك الغنيمة فنزلت: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وفي رواية الترمذي (ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم) (2). وهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم لم يخالفوا في أنه يثبت وصف الإسلام بالإقرار أو ما يقوم مقامه، لكن ظنوا أنه إنما قالها متعوذاً منهم، فتأولوا وقتلوه على ظن أنه مشرك، و أنه يخدعهم بالسلام، فأمرهم الله بالتثبت وعدم التسرع وقتل الناس بالظنون.

فالآية صريحة في أن من أظهر شيئاً من شعائر الإسلام حكم بإسلامه، ولهذا نهى الله المؤمنين أن ينفوا الإيمان عمن تحقق فيه ذلك، ولازم ذلك أن يحكموا بإسلامه إبتداءً، لأنه لا دليل قاطع على عدم إعتبار إقراره. ومجرد الشك في أنه قد يكون متعوذاً لا يكفي في نفي وصف الإسلام عنه.

يقول الإمام الشوكاني في معنى الآية: (والمراد هنا: لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمناً، فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى الإسلام، أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم الإسلام أي كلمته

(1) () الموطأ / باب ما جاء في إجلاء اليهود عن المدينة / (2/ 892 - 893).

(2) () أخرجه البخاري/ كتاب التفسير – تفسير سورة النساء/ باب (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا). (8/ 258). وأخرجه مسلم في / كتاب التفسير/. برقم (3052). ورواية الترمذي في/ كتاب التفسير/ باب: ومن سورة النساء رقم (3033).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ٨٢