فأما قول الرسول صلى الله عليه و سلم: " ... فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام" (1) فالمراد أن من نطق بالشهادتين فقد أسلم وعصم دمه وماله بإسلامه. و إلا فلماذا تعصم دماؤهم وأموالهم إلا بحق الإسلام مع أنهم غير مسلمين؟ وكيف يؤاخذ بحق الإسلام من ليس مسلماً؟
ويبين ذلك أيضاً أن قول الرسول صلى الله عليه و سلم في الحديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا إلا إله إلا الله ... الحديث " خاص بالمشركين في جزيرة العرب، وليس عاماً في كل مشرك. فإن الغاية من الجهاد هي خضوع الناس لحكم الله إن لم يسلموا وبقوا على شركهم، إلا في جزيرة العرب، فإنه لا يقر فيها أحد على الشرك، وهذا الحديث هو تحقيق ما جاء من أمر الله لرسوله بقتال المشركين بعد انقضاء عهده معهم وانسلاخ الأشهر الحرم.
يقول تعالى:
{وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿3﴾ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿4﴾ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة/3 - 5].
ولذلك أمر الرسول صلى الله عليه و سلم في آخر حياته بإخراج المشركين من جزيرة العرب. ففي الحديث المتفق عليه من رواية ابن عباس رضي الله عنهما أنه
ص 120
صلى الله عليه و سلم أوصى عند موته بثلاث ومنها: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" (2) وعند مسلم من رواية عمر رضي الله عنه أنه سمع الرسول صلى الله عليه و سلم يقول: " لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلماً" (3).
(1) () متفق عليه – وسبق تخريجه قريباً.
(2) () أخرجه البخاري / كتاب الجزية والموادعة (2716).
(3) () أخرجه مسلم / كتاب الجهاد / (1767).