تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالوا: فمن لم يكن ثيباً زانياً أو قاتل نفس وأمرنا مع ذلك بقتاله فلا يكون إلا كافراً.

ونفس الإشكال الذي حصل لهؤلاء قد حصل للخوارج الأوائل (حيث أنكروا على علي بن أبي طالب قتاله لأهل الجمل، ونهيه عن اتباع مدبرهم، والإجهاز علي جريحهم، وغنيمة أموالهم وذراريهم، وكانت حجة الخوارج أنه ليس في كتاب الله إلا مؤمن أو كافر، فإن كانوا مؤمنين لم يحل قتالهم، وإن كانوا كفاراً أبيحت دماؤهم وأموالهم وذراريهم، فأجابهم ابن عباس بأن القرآن يدل على أن عائشة أم المؤمنين، وبين أن أمهات المؤمنين حرام. فمن أنكر أمومتها فقد خالف كتاب الله، ومن استحل فرج أمه فقد خالف كتاب الله. وموضع غلطهم ظنهم أن من كان مؤمنا لم يبح قتاله بحال) (1).

ص 113

و أصل اللبس الذي حصل لأصحاب هذا الفكر هنا أنهم لم يفرقوا بين حقيقة كل من القتل والقتال والمقصود من كل منهما.

فالقتل حد شرعي لا يكون إلا في الثلاثة المذكورة في الحديث وهي حد الزنا من المحصن، وحد القصاص بالقتل للقاتل، وحد الردة عن الإسلام (2).

وأما القتال فهو مشروع لإقامة الدين ودرء الفتنة. ولا يلزم منه ولا بد قتل المعين. بل الكفار إنما يقاتلون بعد إبلاغهم الحجة ورسالة الإسلام، ليذعنوا لحكم الله، ولا يكون منهم فتنة وصد عن سبيل الله، فإن تحقق منهم ذلك ولو لم يسلموا رفع عنهم السيف، وهذا هو معنى قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال/39]. وليس المقصود بالفتنة هنا الشرك بإطلاق، كما أنه ليس المقصود بالدين كله جملة الفرائض التي هي حد الإسلام كما يقول هؤلاء، وليس كل قتال مشروع لابد أن يكون للكفار، بل قد شرع قتال البغاة، وأمر الرسول صلى الله عليه و سلم بقتال الخوارج مع أنهم مسلمون.

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا سئل عنهم أكفار هم؟ يقول: من الكفر فروا. ويقول عنهم: إخواننا بغوا علينا (3).

(1) () " مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية " (19/ 89).

(2) () ما ورد من قتل شارب الخمر في الرابعة منسوخ بهذا الحديث وغيره. وقد استوعب الكلام في هذه المسألة وتحقيقها الإمام ابن حجر رحمه الله في " فتح الباري" (12/ 75 - 81).

(3) () انظر " جامع الأصول " لابن الأثير (10/ 78 - 79).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ٧٦