و أيضاً فبعد نزول القرآن وإكمال الدين إذا بلغ الرجل بعض الدين دون بعض كان عليه أن يصدق ما جاء به الرسول جملة، وما بلغه تفصيلاً، و أما ما لم يمكنه معرفته فذاك إنما عليه أن يعرفه مفصلاً إذا بلغه.
و أيضاً: فالرجل إذا آمن بالرسول إيماناً جازماً ومات قبل دخول وقت الصلاة أو وجوب شيء من الأعمال مات كامل الإيمان الذي وجب عليه، فإذا دخل وقت الصلاة فعليه أن يصلي، وصار يجب عليه ما لم يجب عليه قبل ذلك، وكذلك القادر على الحج والجهاد يجب عليه ما لم يجب على غيره من التصديق المفصل والعمل بذلك.
فصار ما يجب من الإيمان يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء، وبحال المكلف في البلاغ وعدمه، وهذا مما يتنوع به نفس التصديق ويختلف حاله باختلاف القدرة والعجز وغير ذلك من أسباب الوجوب وهذه يختلف بها العمل أيضاً.
ومعلوم أن الواجب على كل من هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر.
ص 110
فإذا كان نفس ما وجب من الإيمان في الشريعة الواحدة يختلف ويتفاضل ... فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما يجب عليه دون بعض كان قد تبعض ما أتى به فيه من الإيمان كتبعض سائر الواجبات.
يبقى أن يقال: فالبعض الآخر قد يكون شرطاً في ذلك البعض وقد لا يكون شرطاً فيه (1) فالشرط كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه. أو آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم.
كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ﴿150﴾ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}.
وقد يكون البعض المتروك ليس شرطاً في وجود الآخر ولا قبوله. وحينئذ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق. وبعض شعب الإيمان وشعب الكفر (2) ... ) (3)
(1) () أصحاب فكرة الحد الأدنى هؤلاء يجعلون سائر الواجبات والفرائض من القسم الأول، بحيث تكون كل فريضة شرطاً في قبول جميع الفرائض، بينما الحق خلاف ذلك بإجماع سلف الأمة وأئمتها. فإن ما هو شرط من أصل الدين من الالتزام الظاهر. هو العمل من حيث الجملة، وليس كل فريضة لذاتها.
(2) () لما لم يلتزم هؤلاء بهذه القاعدة جعلوا الكفر مرتبة واحدة، ونفوا أن يكون هناك كفر دون كفر، و أن يجتمع بعض شعب الكفر مع شعب الإيمان. وسيأتي تفصيل ذلك.
(3) () "مجموع الفتاوى" شيخ الإسلام ابن تيمية (7/ 518 - 520).