تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ص 108

الجارية أو البديهيات المتعارف عليها) (1).

وقولهم بأن الفرض شرط في تحقيق العبادة، و أن العبادة لا تتحقق إذا ترك أحد شروطها هو معنى ما سبق بيانه من قولهم وشبهتهم في حقيقة الإيمان، و أنه شيء إذا ذهب بعضه ذهب كله. وعلى كل حال فغاية هذا الاستدلال أنه دعوى بأن جميع الفرائض شرط للنجاة في الآخرة، ولثبوت وصف الإسلام في الدنيا، وليس دليلاً لذاته. بل هو يطلب دليلاً عليه، وهذه الدعوى مبنية على معنى الفرض عندهم. لا كما هو في حكم الشريعة، فإنهم قاسوا افرض في الشريعة على الشرط الذي لا يتحقق المشروط إلا به، كما في مثالهم السابق.

والحقيقة أن الإيمان الذي يتكلمون عنه هو إيمان تصوري مطلق، لا وجود له في الواقع، لأن الناس يختلفون في التكليف بحسب ما يبلغهم من الحجة الرسالية، وبحسب قدراتهم، فكيف نجعل تحقيق الإيمان متوقفاً على الالتزام بجميع الفرائص، مع أن الإنسان قد يموت وهو يجهل بعض الفرائض، أو لم يعملها لعجزه عن ذلك مثلاً.

وقد أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان فساد هذه الشبهة فقال: (إذا قال المعترض: هذا الجزء داخل في الحقيقة وهذا خارج من الحقيقة. قيل له: ماذا تريد بالحقيقة؟ فإن قال: أريد بذلك ما إذا زال صار صاحبه كافراً. قيل له: ليس للإيمان حقيقة واحدة مثل حقيقة مسمى (مسلم) في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار. مثل حقيقة السواد والبياض. بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف وبلوغ التكليف له، وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك.

وكذلك الإيمان والواجب على غيره مطلق، لا مثل الإيمان الواجب

ص 109

عليه في كل وقت، فإن الله لما بعث محمداً رسولاً كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البت، ولا حرم عليهم الخمر والربا ونحو ذلك. ولا كان أكثر القرآن قد نزل، فمن صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك كان ذلك الشخص حينئذ مؤمناً تام الإيمان الذي وجب عليه، و إن كان ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه لكان كافراً.

قال الإمام أحمد: كان بدء الإيمان ناقصاً فجعل يزيد حتى كمل، ولهذا قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾.

(1) () " التوسمات – مخطوط" (3/ 32).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ٧٣