ص 105
الشبهة الثانية
إشتراط حد أدنى للإسلام
أصل هذه الشبهة هو اعتبار الإيمان شيئاً واحداً وحقيقة محددة يستوي فيها جميع أفراد المؤمنين، بحيث لا تقبل الزيادة ولا النقص ومع أن هذه الشبهة هي نفس شبهة المرجئة فيما يتعلق بحقيقة الإيمان إلا أن نتيجة قول المرجئة وقول أصحاب فكرة الحد الأدنى – هذه – مختلفة إلى حد التناقض!.
وذلك أن المرجئة لما رأوا أنه لا يمكن تحديد أعمال هي الحد المشروط لثبوت وصف الإسلام للمعين نفوا أن يكون العمل بالكلية داخلاً في أصل الدين.
و أما أصحاب فكرة الحد الأدنى فإنهم لما رأوا أن الالتزام بالعمل الظاهر داخل في أصل الدين جعلوه مناطاً لثبوت وصف الإسلام للمعين. والتزموا ألا يحكموا لأحد بالإسلام إلا بتحقق حد أدنى من العمل الظاهر، فكان لابد تبعاً لذلك أن يحددوا العمل المشروط في أصل الدين وفي ثبوت وصف الإسلام للمعين. وكان لابد أيضاً من منهج يتبعونه في معرفة تحقق ذلك الحد فيما يتعلق بكل معين يحكمون بإسلامه.
و أصل الخطأ والضلال – عند كلا الاتجاهين – فيما يتعلق بحقيقة الالتزام بالعمل الظاهر – وكونه داخلاً في أصل الدين أنهم لم يفرقوا بين جنس العمل وآحاده. فالالتزام الظاهر بالعمل شرط في تحقيق أصل
ص 106
الدين من حيث الجنس والجملة، ونتيجة لذلك أن من ارتكب بعض الكبائر- مع بقاء التزامه بجنس العمل لا سيما الصلاة – لا يكفر، لأنه لم ينقض أصل التزامه بالعمل الظاهر بذلك. لكن ليس معنى ذلك أيضاً أن إيمانه لم ينقص. بل الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، لكنه لا ينتقض وينتفي إلا بالكفر.
لكن كلا الاتجاهين – لما لم يلتزموا بهذا الأصل – تناقضوا فيما يتعلق بحكم مرتكب الكبيرة، فذهب المرجئة إلى أن إيمانه لا ينقص بذلك، ثم رتبوا على ذلك أنه لا يكفر لو ترك العلم بالكلية. وذهب أصحاب فكرة الحد الأدنى إلى التكفير بالإصرار على الكبيرة. لأنهم مع اختلافهم في النتائج مجمعون على أصل واحد، وهو أن الإيمان إذا ذهب بعضه لم يبق منه شيء.
ومما قاله أصحاب فكرة الحد الأدنى في هذا المجال – والقول هنا لشكري مصطفى – (إنه لو كان يفترض لكي تنبت شجرة ما من الأرض عدة فروض مثل: وجود أرض صالحة للزراعة، ووجود بذرة للنبات صالحة، ووجود ماء صالح للري، ووجود الهواء الذي لا تنبت الشجرة إلا به، هذه كلها لو كانت مثلاً فروضاً لإحداث عملية