الشهادتين الذي هو شرط في تحقيقها في العلم بالنواقض. كما لم يجعلوا مجرد التلبس بمظاهر الكفر كافية في الدلالة على الجهل بمدلول الشهادتين بإطلاق.
ص 102
ثانياً: إنه لا تلازم أيضاً بين وصف المجتمعات بأنها مجتمعات جاهلية وبين الحكم على أفراد تلك المجتمعات بالكفر.
وذلك أن المجتمع ليس مجرد مجموعة أفراده، وإنما لابد مع ذلك من النظر إلى ما يحكم به ذلك المجتمع، فيفرق بين مجتمع محكوم بالشريعة ومجتمع محكوم بغيرها، وهو على كل حال وصف مطابق لدار الكفر. وليس كل من كان في دار الكفر يكون الأصل فيه الكفر.
وعلى هذا فمناط الحكم على الدور والمجتمعات غير مناط الحكم على الأفراد. لأن أصل الحكم على الدار أنها دار كفر أو المجتمع أنه مجتمع جاهلي كافر هو ألا تكون الشريعة هي الحاكمة، و أن تكون مظاهر الكفر هي الغالبة على الدار أو المجتمع.
و أما المعين فلا يلحق به وصف الكفر فيما يتعلق بالالتزام بالشريعة إلا بمباشرة التشريع بغير ما أنزل الله عن علم وبينة، أو الرضى عمن فعل ذلك. ويستدل على ذلك في الظاهر بأمر قاطع في الدلالة، لا بمجرد عدم الإنكار في الظاهر، أو المتابعة على ما هو معصية.
و إذا كان مناط الحكم على الدار والمجتمع غير مناط الحكم على المعين علم أنه لا تلازم بينهما في ذلك.
ثالثاً: الزعم في الحكم على الناس اليوم بأن الأصل فيهم الكفر قياساً على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته للمشركين قياس مع الفارق.
ذلك أن الأصل فيمن كان يدعوهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام هو الكفر، و الإسلام وصف الطارئ. فلزم أن يكون حكم من لم يسلم هو الشرك، إذ لا يمكن أن يحكم بإسلامه إلا من جهة اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم وانتقاله عما كان عليه من الشرك. فإذا لم يقر بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو باق على دينه ودين قومه، فيحكم عليه بالشرك.
ص 103
أما في مجتمعاتنا اليوم فإن الإسلام فيها هو الأصل، والكفر وصف طارئ. فكيف نلغي الأصل بالكلية ونقول إن الوصف الطارئ هو الأصل، ثم نزعم أن ذلك التزام بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته.
إنه لم تحصل في بلاد المسلمين ردة عامة مطلقة تستوجب سحب وصف الكفر على جميع أفرادها، و إنما الذي حصل ردة بعض أفراد الأمة وخروجهم عن الأصل الذي عليه أمتهم.