ثم إنه بعد أن بين هذه القاعدة النظرية التي هي في ذاتها صحيحة – لأن الجاهل لمفهوم الشهادتين الإجمالي لا يصح إسلامه ولا يعتبر (1) - انتقل إلى ما يتعلق بالواقع فحكم بأنه قد خفيت على الناس روح القرآن وفكرته المركزية، لكنه لم يلتزم مع ذلك بأن نطق الناس بالشهادة أو تظاهرهم بشعائر الإسلام غير مقبول منهم، ولا معتبر في الحكم لهم بالإسلام.
يقول رحمه الله: (من الحق الذي لا مراء فيه أنه قد خفي على الناس معظم تعاليم القرآن. بل غابت عنهم روحه السامية وفكرته المركزية
ص 98
لمجرد ما غشي هذه المصطلحات الأربعة الأساسية من حجب الجهل. وذلك من أكبر الأسباب التي تطرق لأجلها الوهن والضعف إلى عقائدهم وأعمالهم، على رغم قبولهم دين الإسلام وكونهم في عداد المسلمين) (2).
ويقول أيضاً: (يجب ملاحظة قضية تكفير المسلم، والاحتياط في هذه المسألة احتياطاً كاملاً، يتساوى مع الاحتياط في إصدار فتوى بقتل شخص ما، وعلينا أن نلاحظ أن في قلب كل مسلم يؤمن بالتوحيد ولا إله إلا الله إيماناً. فإذا صدر عنه شائبة من شوائب الكفر فيجب أن نحسن الظن، ونعتبر هذا مجرد جهل منه وعدم فهم، و أنه لا يقصد بهذا التحول من الإيمان إلى الكفر، لأنه لا يجب أن نصدر ضده فتوى بالكفر بمجرد أن نستمع إلى قوله، بل يجب علينا أن نفهمه بطريقة طيبة ونشرح له ما أشكل عليه، ونبين له الخطأ من الصواب ... ) (3).
والمودودي رحمه الله – من واقع دعوته وتعامله مع الناس – لم يكن يحكم بأن الناس لا يقبل منهم الإقرار، ولا يحكم لهم بالإسلام لمجرد احتمال جهلهم بمفهوم شهادة ألا إله إلا الله وإنما كان يقرر أن الناس يجهلون حقيقة الشهادة ليدعو الناس إلى ضرورة فهم معنى (الإله) ومدلول شهادة ألا إله إلا الله.
ولا نريد أن ندخل الآن في تفاصيل هل كان الأستاذ المودودي رحمه الله على حق فيما فهمه من معنى (الإله)؟. أو على حق فيما التزمه تبعاً لذلك من أن أكثر الناس يجهلون مفهوم شهادة ألا إله إلا الله (4)؟ وإنما يكفينا هنا أن نبين أنه هو مع التزامه بأن أغلب الناس لا يفهمون مدلول
ص 99
(1) () راجع الفصل الثاني من الباب الثالث.
(2) () المرجع السابق (ص/11).
(3) () " أبو الأعلى المودودي. فكره ودعوته " أسعد جيلاني (ص/274).
(4) () انظر عن مفهوم وحقيقة شهادة: (لا إله إلا الله) الفصل الأول من هذا الباب.