ولهذا لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم لليهود الذين شهدوا له بالرسالة وقبلوا رجليه، لأنه كان يعلم من حالهم أنهم لا يريدون بشهادتهم تلك اتباعه؛ ولهذا قال لهم: " فما يمنعكم من اتباعي" (1)؛ ومع أن غيرهم قد يكفيه لدخول الإسلام والحكم له به ما تحقق منهم.
يقول الإمام الشافعي في بيان حكم هذه الحالات الاستثنائية:
(والإقرار بالإيمان وجهان: فمن كان من أهل الأوثان ومن لا دين
ص 90
له يدعي أنه دين نبوة وكتاب، فإذا شهد إلا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله فقد أقر بالإيمان، ومتى رجع عنه قتل.
ومن كان على دين اليهودية والنصرانية فهؤلاء يدعون دين موسى، وعيسى صلوات الله عليهما، وقد بدلوا منه، وقد أخذ عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا بترك الإيمان به واتباع دينه، مع ما كفروا به من الكذب على الله قبله.
فقد قيل لي إن فيهم من هو يقيم على دينه يشهد إلا إله إلا الله و أن محمداً عبده ورسوله، لم يكن هذا مستكمل الإقرار بالإيمان حتى يقول: و أن دين محمد حق أو فرض، وأبرأ مما خالف دين محمد صلى الله عليه وسلم أو خالف دين الإسلام، فإذا قال هذا فقد استكمل الإقرار بالإيمان، فإن رجع عنه استتيب فإن تاب و إلا قتل (2).
وإن كانت طائفة تعرف أن لا تقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا عند الإسلام، أو تزعم أن من أقر بنبوته لزمه الإسلام، فشهدوا إلا إله إلا الله و أن محمداً عبده ورسوله فقد استكملوا الإقرار بالإيمان، فإن رجعوا عنه استتيبوا فإن تابوا و إلا قتلوا) (3).
ويقول الإمام البغوي رحمه الله:
(الكافر إذا كان وثنياً أو ثنوياً لا يقر بالوحدانية، فإذا قال لا إله إلا الله حكم بإسلامه (4) ثم يجبر على قبول الأحكام ويبرأ من كل دين
ص 91
(1) () رواه الترمذي / كتاب الاستئذان / (2733). وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي / كتاب تحريم الدم/ (4078).
(2) () وهذا حكم خاص في حالة معينة، بحسب ما علمه الإمام الشافعي رحمه الله كما قيل له؛ وأنهم لا يريدون بإقرارهم البراءة من دينهم بمجرد الشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة.
(3) () " الأم" للإمام الشافعي (6/ 171 - 172).
(4) () لأنه إذا شهد لله بالوحدانية فقد تخلى عن أصل دينه الذي كان عليه ودل ذلك على قبوله للإسلام والتزامه بالشريعة.