تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يقول أصحاب منهج التبين وفكرة الحد الأدنى للإسلام ومع كل ما سبق فإن الأحاديث إن دلت على ثبوت وصف الإسلام لمن أقر ونطق بالشهادتين، فإنما يكون ذلك ضمن مجتمع مسلم، يستوفي حد الإسلام، بحيث لا يبقى فيه من يدعي الإسلام وهو متلبس بناقض. وهذه هي دعواهم التي يردون بها النصوص السابقة، ويجعلونها مقيدة بكون الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قالها في حال كان المسلم فيه في مجتمع يستوفي حق الإسلام، ويقيم حد الردة.

والجواب عن ذلك أيضاً:

أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقبل الإقرار في الحكم للمعين بالإسلام، دون نظر إلى تحقيق هذا الشرط. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقبل مجرد الإقرار بالشهادتين وهو بمكة. ولم يكن حينذاك مجتمع مسلم يستوفي حق الإسلام، ويطبق فيه حد الردة. ومع ذلك فقد كان يحكم بإسلام من أقر بالإسلام ونطق بالشهادتين.

يدل لذلك ما ورد في قصة أبي طالب في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه عند الموت: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة فأبى فأنزل الله: إنك لا تهدي من أحببت ... الآية) (1).

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب من عمه أبي طالب أن يقر بالإسلام وينطق بالشهادة، ثم بين أنه لو قالها لحاج له بها عند الله، لأنه يكون مسلماً

ص 89

بمجرد إقراره، وقد يموت أبو طالب وهو لم يستوف حد الإسلام الذي يزعمه أهل التبين؛ كما أن المسلمين بمكة لم يكن لهم سلطان يستوفون به حد الإسلام الذي يقول به هؤلاء.

فلزم من كل ما سبق قاعدة عامة مطردة: أن الإقرار بالنطق بالشهادتين أو ما يقوم مقامه هو الأصل في ثبوت وصف الإسلام للمعين مطلقاً؛ و أن هذا حكم شرعي مطلق، لا يختص بزمان ولا مكان معين، ولا بحال دون حال؛ إلا إذا تعلق وصف بالمعين على الخصوص يوجب إستثناؤه من هذا العموم، فإن له حكمه الخاص بحسبه هو، دون أن يعارض الأصل والقاعدة العامة.

يبين ذلك: أن الإقرار في حقيقته إنما هو دلالة على قبول الإسلام وإرادة الدخول فيه، وإعلان عن تحقيق أصل الدين؛ فإذا علمنا من معين على الخصوص أنه لا يريد ذلك بإقراره، لم نحكم بإسلامه، وهو على أصل كفره، ولزمنا أن نستوفي منه ما يلزم لتحقيق الإقرار، بشرط أن نكون من حال ذلك المعين على يقين، و ألا نجعل ذلك أمراً عاماً بمجرد الشك والاحتمال والظن.

(1) () أخرجه البخاري / كتاب مناقب الأنصار / (3884). وأخرجه مسلم / كتاب الإيمان / (25).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ٦٠