صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي. قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها. قال: ائتني بها. فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة) (1).
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتفى بإقرار هذه الجارية في إثبات أنها مسلمة مجزئة في العتق بمجرد إقرارها، وليس مثل هذا الحديث مما يستدعي
ص 87
أن يكون لعصمة الدم والمال، بل مورد الحديث و أصل طلب الرسول صلى الله عليه وسلم لها إنما كان لتبين إسلامها وإجزائها في العتق، لأنه لا يصح العتق إلا لرقبة مؤمنة.
وهو معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم أعتقها فإنها مؤمنة، موافقة للوصف القرآني للمجزئ في العتق من الرقاب.
وقد جاء في رواية الإمام مالك رحمه الله الحديث ما يبين ذلك ففيها (فلطمت وجهها وعلي رقبة، أفأعتقها؟). وبوب له الإمام مالك رحمه الله: (باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة).
وهذا الحديث كما أنه حجة على من لا يعتبرون الإقرار في إثبات حكم الإسلام لأحد إلا بعد التبين. فليس فيه حجة أيضاً للمرجئة الذين يظنون أن معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أعتقها فإنها مؤمنة) أن مجرد الإقرار يكفي في تحقيق الإيمان ولو لم يلتزم بالعمل. بل الإقرار يكفي لثبوت وصف الإسلام ابتداء، لكن لابد من تحقيق مقتضياته من ترك الرك والالتزام بالعمل وإلا انتقض الإقرار.
وهذا الحديث ليس فيه أدنى دلالة على دعواهم. وإنما غاية ما فيه إثبات وصف الإسلام بما يدل عليه، وليس الحكم بإيمانها في الباطن ولا أن الإقرار يكفي في تحقيق الإيمان دون الالتزام بالعمل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والله تعالى لما أمر في الكفارة بعتق رقبة مؤمنة لم يكن على الناس أن لا يعتقوا إلا من يعلمون أن الإيمان في قلبه، فإن هذا كما لو قيل لهم: اقتلوا إلا من علمتم أن الإيمان في قلبه، وهم لم يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ولا يشقوا بطونهم، فإذا رأوا رجلاً يظهر الإيمان جاز لهم عتقه.
وصاحب الجارية لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل هي مؤمنة إنما أراد الإيمان
ص 88
الظاهر، الذي يفرق به بين المسلم والكافر) (2).
(1) () أخرجه مسلم / كتاب المساجد / رقم (537) والنسائي / كتاب الصلاة / (1218) و أبو داود / الإيمان والنذور/ (3282). ومالك / العتق والولاء / (2/ 776 - 777).
(2) () " الإيمان" لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص/201 - 202).