محمداً عبده ورسوله. وهذه الكلمة يدخل بها الإنسان في الإسلام فمن قال: الإسلام الكلمة وأراد هذا فقد صدق (1)) (2).
وبعد كل هذا فقد يقول قائل – ممن لا يرى الحكم لأحد بالإسلام بمجرد الإقرار – إن غاية هذه الأحاديث أن تكون دالة على أن من نطق بالشهادتين أو أقر بالإسلام بما يقوم مقامهما أن يكون معصوم الدم حتى يختبر ونتبين إسلامه يقيناً، أما أن تكون دالة على ثبوت وصف الإسلام فلا دلالة فيها على ذلك.
والجواب عن ذلك:
أن المراد بهذه الأحاديث، وغيرها مما في معناها إثبات وصف الإسلام لمن أقر بالإسلام، دون التفريق بين ذلك وبين اقتضاء الإقرار عصمة الدم والمال. وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم العملية ظاهرة في ذلك، فقد كان يكف عن قتال المشركين ويحكم بإسلامهم بمجرد إقرارهم ونطقهم بالشهادتين، مع أنه أمر أن يقاتلهم حتى يسلموا. وأمر معاذ بن جبل أن
ص 86
يدعو أهل اليمن أول ما يدعوهم إلى الشهادتين فإن هم أطاعوه لذلك أن يعلمهم أن الله قد افترض عليهم الصلاة وسائر أركان الإسلام والمشرك لا يلزم بالفرائض إلا بعد أن يسلم فدل ذلك على أنهم أسلموا بمجرد قبولهم للإسلام ونطقهم بالشهادتين. وأن إلزامهم بفرائض الإسلام ليس لأجل تبين حالهم، وهل يثبت لهم ذلك الوصف أم لا يثبت؟ وإنما لأنها لازمة لمن تحقق له ذلك الوصف، والفرق بين الاعتبارين أن من قال بأن الالزام بالأعمال بعد الإقرار على جهة التبين والتثبت من الإسلام لم يثبت عنده وصف الإسلام بمجرد الإقرار الأول، بل بعد التبين، و أما من جعلها من لوازم الإقرار فوصف الإسلام ثابت له ابتداء ثم يلزم بعد بلوازمه.
ومما يقطع في ذلك ما ورد من قصة الجارية التي اختبر الرسول صلى الله عليه وسلم إسلامها بمجرد الإقرار وقبله. فعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: (كانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، و أنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة (3)، فأتيت رسول الله
(1) () أي: من قال إن الإنسان يدخل الإسلام بنطقه الشهادتين. لكن لا يعني هذا بقاء وصف الإسلام بمجرد ذلك الإقرار دون الالتزام بمقتضياته.
(2) () المرجع السابق (ص/256).
(3) () أي: لطمتها لطمة.