إلى قوله ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ فجعل الأعمال كلها إيماناً، وكما نطق به حديث أبي هريرة (يعني حديث الشعب) (1).
ويقول الإمام الشافعي رحمه الله: (وكان الإجماع من الصحابة
ص 76
والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون إن الإيمان قول وعمل ونية ولا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) (2).
ويقول الإمام ابن عبد البر رحمه الله: (أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، و الإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان) (3).
أفبعد هذا يقال إن الإيمان لم ينقل في الشرع عن التصديق؟
ومعلوم أن المفهوم الشرعي أخص من المعنى اللغوي العام، فالصلاة مثلاً في المفهوم الشرعي لا يمكن تحقيقها بمجرد الدعاء الذي هو معناها اللغوي، وهكذا الزكاة والصوم والحج و الإيمان ... الخ.
ثم يقال أيضاً: الشريعة مشتملة على أخبار يجب تصديقها، وذلك تحقيق الإيمان بها، وعلى أوامر لا يكفي في تحقيق الإيمان بها مجرد التصديق بوجوبها، بل لابد من الامتثال فيها بالفعل.
يقول الإمام محمد بن نصر المروزي في نقد قول المرجئة هذا: (إن قالوا: إن الإيمان هو التصديق فعليهم أن يصدقوا في كل حال بما يأمرهم به. قيل لهم: أرأيتم لو قال حين حولهم الله عن بيت المقدس إلى الكعبة: الله صادق بهما جميعاً وقد صدقنا بقوله فآمنا به، ولكنا نصلي إلى بيت المقدس كما كنا أولاً، مخافة عيب الناس أن يقولوا: بدل دينهم، ونحن نعلم أن الله صادق و أنه قد نسخها، فإن قالوا: هم كفار قيل: ولم؟
فإن قالوا: ليذعنوا ويخضعوا بالطاعة. قيل لهم: وأين وجدتم ذلك
ص 77
في اللغة إيماناً وهم يقولون: نعم هو علينا حق، نقر به ونصدق، ولكنا نصلي إلى بيت المقدس كراهة اللائمة.
فإن قالوا: لم يقروا بعد. قيل لهم: لم يقروا بالفعل أو لم يقروا أنه حق واجب؟
(1) () " شرح السنة" (1/ 38).
(2) () نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في / كتاب الإيمان / صلى الله عليه وسلم (192).
(3) () "التمهيد" (9/ 238).