مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف/101].
وحاله تشبه حال نبينا عليه الصلاة والسلام وقد دخل مكة فاتحاً بعد أن أخرج منها، فلما كان الفتح دخلها متواضعاً يكاد عثنونه يلامس ركاب ناقته، لا يرى الفضل في ذلك كله إلا لله. ودخل مكة وهو يقرأ سورة الفتح (1)، إعترافاً بأن الفتح إنما هو من الله. ثم صلى ثماني ركعات شكراً لله (2) أصبحت سنة للفاتحين من بعده. ثم إنه تفضل على قريش الذين لم يدعوا سبيلاً لأذيته إلا سلكوه فقال لهم: " إذهبوا فأنتم الطلقاء" (3). ولو كان يعمل لحظ نفسه لانتقم منهم وشرد بهم ولكنها النبوة لا الملك. ومقابلة إنعام الله عليه بالفتح بالتفضل على الناس ورحمتهم. وإظهار الشكر لله تعالى.
*******
العبودية الجبرية ومقتضاها الاختياري:
كما أن لله على عباده عبودية اختيارية هي مقتضى استحقاق الله للألوهية قد يلتزمون بها وقد لا يلتزمون. فإن لله على عباده أيضاً عبودية جبرية قهرية لا ينفك عنها مخلوق مكلف أو غير مكلف.
وهذه العبودية الجبرية هي مقتضى ربوبية الله على عباده وملكه وتصريفه وتدبيره لهم ولا يستطيع مخلوق الخروج عن هذه العبودية كما قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن/33].
و الإيمان بهذه العبودية هو مقتضى الإيمان بالقدر، وكون علم الله محيط بجميع مخلوقاته أزلاً وأبداً، و أنه لا يكون شيء في الكون إلا بإرادته وقدرته عز وجل ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ/3]. ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير/29]. ﴿ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الانعام/102].
وعلى هذا فكل مخلوق فهو داخل في ملك الله وسلطانه، ليس له استقلال خلق أو تأثير، ولا يخرج عن كونه سبباً. والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، وكل تأثير للأسباب فهو خالقه على الحقيقة.
(1) () رواه البخاري / كتاب المغازي / (4281).
(2) () رواه البخاري أيضاً / كتاب المغازي / (4292).
(3) () " زاد المعاد" لابن القيم (4/ 407 - 408).