تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك. و إن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" (1).

وبهذا يعلم المؤمن ويوقن أن الخير كله من عند الله، و أنه ليس له من نفسه إلا الفقر والعجز، و أنه لا مانع لما أعطاه الله، ولا معطي لما منعه، و أنه لا استحقاق للعبد على الله، بل الفضل كله لله، وكل ذلك

ص 54

يورث انكساراً بين يدي الله واعترافاً بالفضل وحمداً وثناءً وشكراً أساسه المحبة والتعظيم.

ولهذا علق الله الشكر على تحقيق العبودية فقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل/ 114]. وجعل الشكر قسيم الكفر فقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة / 152]. وقال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿120﴾ شَاكِرًا لأنْعُمِهِ ... .} [النحل /120 - 121]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم /7].

بل جعل الله تعالى غاية العبودية شكر الله تعالى فقال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ/ 13]. ولهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي: (الصلاة شكر والصيام شكر وكل خير تعمله لله عز وجل شكر وأفضل الشكر الحمد) (2).

و إذا تحقق العبد بهذه المحبة كانت عبادته كلها شكراً لله. ولهذا لما سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قام حتى تورمت قدماه فقالت له: تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: " أفلا أكون عبداً شكوراً" (3).

وكذا سليمان عليه السلام وهو في عز ملكه وقد أحضر إليه عرش ملكة سبأ قبل أن يرتد إليه طرفه: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النحل/40].

ص 55

ويوسف عليه السلام وهو في غاية الإنعام والإكرام بما آتاه الله من الملك، وبما تحقق له من تأويل رؤياه وحضور أبويه وإخوته إليه من البدو من بعد أن فرق بينهم الشيطان يتوجه إلى الله شاكراً فيقول: {* رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي

(1) () أخرجه الترمذي/ صفة القيامة/ (2516) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(2) () " تفسير ابن كثير" (3/ 529).

(3) () أخرجه البخاري / كتاب التهجد/ (1130). ومسلم / كتاب صفات المنافقين / (2819). والترمذي/ كتاب الصلاة / (412). والنسائي / في قيام الليل / (1644).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ٣٥