تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يعني هذا أن تكون حقيقة الصلة بين العبد وربه من جهة العبودية الاختيارية هي علاقة سلطان بمملوك وآمر بمأمور وحاكم بمحكوم. و أن يكون الأصل في صفات الله هو السلطة العليا والحاكمية المطلقة، بحيث تعود كل أسماء الله وصفاته إلى ذلك كما يظن ذلك من لا يفرق بين حقيقة العبودية الاختيارية وحقيقة العبودية الجبرية. بل يجعلون الإنسان هو الخليفة عن الله في الأرض، ويقولون بأن تحقيق العبودية له إنما يكون بتحقيق تلك الخلافة. وهذا مفهوم غريب عن فهم سلف الأمة لحقيقة العبادة، ومعنى الخلافة، ومعنى أن لله الحكم الكوني والحكم الشرعي.

بل كل مخلوق – الإنسان وغيره – فهو في سلطان الله خاضع له، لا علاقة لذلك باختيار العبد ورضاه.

ص 57

وإنما يقتضي كون العبد في ملك الله وسلطانه ألا يتوكل إلا عليه، ولا يستعين إلا به، لأن الله خالق العباد وخالق أفعالهم، لا حول لهم ولا قوة إلا به عز وجل. فكما لزم ألا تكون العبادة إلا لله وحده بإخلاص الدين له. فكذلك يلزم ألا تكون الاستعانة إلا به لتحقيق العبودية لله، لأنه كما لابد لكل إنسان من مراد لذاته، وليس ذلك إلا لله وحده الذي تألهه القلوب محبة وتعظيماً. فلابد لكل إنسان أيضاً من معين على تحقيق غايته وليس ذلك إلا الله، لأنه لا سبب مستقبل بالتأثير في تحصيل المرادات.

وتحقيق ذلك هو تحقيق أصل الدين، بتوحيد الله تعالى من جهة تحقيق العبودية لله وحده. وتحقيق الاستعانة به وحده.

وقد جاء الأمر بهما معاً في عدة آيات قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة/5]. وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود/123]. وقال تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود/88]. وقال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ﴿عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة/4]. وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان/58]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد/30]. وقال تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴿8﴾ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} [المزمل/8 - 9].

وبناء على ما سبق من معرفة حقيقة العبادة من جهة استحقاق الله لكمال المحبة له وكمال الافتقار إليه والاستعانة به وحده، فإن الإنسان قد خلقه الله فقيراً إليه وحده من جهة اضطراره إليه من جهة العبودية وكونه هو الغاية والمراد، ومن جهة اضطراره إليه من جهة الاستعانة لتحقيق ذلك. وجعل الله ذلك فطرة لازمة له لا تنفك عنه بحال.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ٣٧