كالعيان. فمن عبد الله عز وجل على استحضار قربه منه وإقباله عليه، و أنه بين يديه كأنه يراه أوجب له ذلك الخشية والخوف والهيبة والتعظيم ..
المقام الثاني: مقام الإخلاص. وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه، واطلاعه عليه، وقربه منه. فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى. لأن استحضار ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله و إرادته بالعمل.
وهذا المقام هو الوسيلة الموصلة إلى المقام الأول. ولهذا أتى به النبي صلى الله عليه وسلم تعليلاً للأول فقال: " فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (1).
*******
2 - وأما كون إحسان الله إلى عباده وربوبيته لهم من موجب استحقاقه للعبودية، فلأن النفوس كما هي مفطورة على حب الكمال فهي أيضاً مفطورة على حب من أحسن إليها فقيرة إليه.
ص 53
وقد جاء في الحديث: " أحبو الله لما يغذوكم من نعمه" (2). ولا إحسان في الحقيقة إلا من الله، و إن جرى ذلك الإحسان بأسباب ووسائط فإنه مسبب الأسباب وخالقها. و الأمر في ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ﴾ [النحل/ 53].
ومن دقيق فهم الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قوله: (فيها المحبة، لأن الله منعم، والمنعم يحب على قدر إنعامه .. ) (3)
فإذا اجتمع للعبد شهود النعمة و أنها من الله وحده، مع شهود افتقاره وحاجته إلى الله كان ذلك داعياً إلى محبته الله وحده، وانجذاب القلب إليه. فإن الله هو الغني الغنى المطلق، و أما الإنسان ففقير بالذات إلى الله من كل وجه. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر/15]. ولهذا أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم ابن عباس بقوله: " إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن
(1) () " معارج القبول" الشيخ حافظ الحكمي (2/ 400 - 401). وانظر " جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص/33 - 35).
(2) () أحرجه الترمذي / كتاب المناقب / (3789). وحسنه، والحاكم (3/ 150) وصححه ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في تخريجه لفقه السيرة للغزالي (ص/20).
(3) () " مجموع مؤلفات الشيخ – العقيدة والآداب الإسلامية " (ص/382).