تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول الإمام ابن القيم: (لا ريب أن كمال العبودية تابع لكمال المحبة وكمال المحبة تابع لكمال المحبوب في نفسه.

و الله سبحانه له الكمال المطلق التام من كل وجه الذي لا يعتريه توهم نقص أصلاً، ومن هذا شأنه فإن القلوب لا يكون شيء أحب إليها منه مادامت فطرها وعقولها سليمة، و إذا كانت أحب الأشياء إليها فلا محالة أن محبته توجب عبوديته وطاعته وتتبع مرضاته، واستفراغ الجهد في التعبد له و الإنابة إليه، وهذا الباعث أكمل بواعث العبودية وأقواها) (1).

كما أنه أيضا على قدر نقص معرفة العبد بربه يكون بعده عنه وانشغاله بما دونه من الغايات، فمرة يطلب جاهاً ومرة يطلب مالاً ... وهكذا بحيث تصبح الشواغل والوسائل غايات لحياته تحجبه عن الله. ويكون هو عبداً لها و " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطى رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس و إذا شيك فلا انتقش" (2). ولأهمية هذا الأمر، وكونه أصلاً لمحبة الله وعبوديته جاء ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله في كتاب الله بإثبات مفصل، لتعريف العباد بربهم وتشويقهم إليه. مع أن العبد لا يمكن أن يحيط ببعض ما لله من كمال كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أعرف الخلق بالله على الإطلاق: " اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ... " (3) وذكر أنه يلهم عند الشفاعة محامد لله لم يكن يعلمها.

والعبد المؤمن بحسب ترقيه في العبودية وحبه لله وشوقه إليه وجمع

ص 52

الهمة عليه قد يصل إلى درجة الإحسان، وهي أن يعبد الله وكأنه يراه وهي مرتبة فوق مرتبة الإخلاص والمراقبة.

يقول الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله: (إن مرتبة الإحسان على درجتين، و إن للمحسنين في الإحسان مقامين متفاوتين:

المقام الأول – وهو أعلاهما – أن تعبد الله كأنك تراه. وهذا مقام المشاهدة، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته الله عز وجل بقلبه. وهو أن يتنور القلب بالإيمان، وتنفذ البصيرة في العرفان، حتى يصير الغيب

(1) () " مفتاح دار السعادة" لابن القيم (2/ 489 - 490).

(2) () أخرجه البخاري / كتاب الجهاد / (2886).

(3) () اخرجه الترمذي (3561). و أبو داود (1427). والنسائي (1747). وابن ماجه (1179).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ٣٣