ولهذا جعل الله تعالى الجهاد في سبيله من علائم محبته فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ [المائدة/ 54].
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ وما ذلك إلا لأن محبة الله وطلب رضاه شغلهم عن لوم الناس وطلب مراضيهم. بل المؤمن في الحقيقة لا يصرفه عن حب الله و الإيمان به أي صارف، لا من جهة الشهوة والرغبة ولا من جهة التخويف والرهبة. يقول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة /22]. ويقول الله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿24﴾} [التوبة/24]. كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان. أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. و أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. و أن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يعود في النار" (1).
فكما لا يصرف المؤمن عن ربه محبوبات الدنيا وشهواتها، فكذلك لا يصرفه خوف لو كان التحريق بالنار عن محبته و الإيمان به.
وهكذا تبين من كل ما تقدم من البحث عن حقيقة الألوهية – أو العبودية – أنها محبة لله تستلزم طاعته والالتزام بشرعه. أو قل هي كمال
ص 48
الطاعة لكمال المحبة. فالمحبة هي الأصل في العلاقة بين العبد والرب والطاعة ناشئة عنها ولازمة لها.
****
موجب استحقاق الله للعبادة:
معنى لا إله إلا الله أنه لا معبود بحق إلا الله، أي أنه هو وحده المستحق للعبودية.
ومن أجل نعم الله تعالى على عباده أنه قط فطرهم على الألوهية له وحده، وجعل الشرائع على مقتضى استحقاقه للعبادة.
(1) () أخرجه البخاري/ كتاب الإيمان / (16). ومسلم/ كتاب الإيمان / (43). والترمذي/ كتاب الإيمان / (2926). والنسائي / كتاب الإيمان / (4988). وابن ماجه/ كتاب الفتن / (4033).