ومعلوم أن تنعمه بالنظر لا يتم إلا بسلامته من النار وبتنعمه من الجنة بما هو دون النظر، وما لا يتم المطلوب إلا به فهو مطلوب، فيكون طلبه للنظر طلب للوازم التي منها النجاة من النار) (1)
فلا تعارض إذن بين أن يكون الله معبوداً مراداً لذاته وبين رجاء رحمته والخوف من عقابه.
ولهذا امتدح الله تعالى الذين يخافونه ويرجون رحمته فقال تعالى:
ص 46
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة/ 16].
وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف/56]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد/ 21]. وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن/46]. وقال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿40﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات/40 - 41]. ونحو ذلك كثير في القرآن.
****
وأما اللوازم الظاهرة فتتلخص في اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه والدعوة إلى دين الله.
وأصل ذلك أن من أحب الله حقيقة لا بد أن تكون إرادته تابعة لإرادة الله ومحبته، فما أحبه الله وأمر به أحبه العبد والتزم به. وما كرهه الله ونهى عنه كرهه العبد وانتهى عنه.
وتحقيق ذلك باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والالتزام بالشريعة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران/ 31]. فمن أحب الله حقيقة فلا بد أن يتبع رسوله، فعلم أن من لم يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يلتزم بشريعته فليس محباً لله. فلا تكون المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم إلا بتحقيق المحبة، كما لا تصح المحبة إلا بتحقيق الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم فهما أمران متلازمان لا يصح أحدهما إلا بالآخر.
وعلى قدر قوة المحبة وضعفها يكون الاتباع كذلك، وفي هذا المقام يتفاوت الناس تفاوتاً عظيماً. وهذه هي حقيقة زيادة الإيمان ونقصانه، حتى إذا انتفى الاتباع بالكلية انتفت المحبة بالكلية.
ص 47
(1) () " الاستقامة" – لابن تيمية – نقول مختارة من (جـ 2/ 107 - 120) وانظر أيضاً " درء التعارض" لابن تيمية (6/ 86 - 69). و "مدارج السالكين" لابن القيم (2/ 80 - 84).