(فلو بطلت مسألة المحبة بطلت جميع مقامات الإيمان و الإحسان ولتعطلت منازل السير إلى الله. فإنها روح كل مقام ومنزلة وعمل. فإذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه. ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها بل هي حقيقة الإخلاص. بل هي نفس الإسلام. فإنه الإستسلام بالذل والحب والطاعة لله. فمن لا محبة له لا إسلام له البتة. بل هي
ص 43
حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً وخوفاً ورجاءً وتعظيماً وطاعة له مألوه، وهو الذي تألهه القلوب أي تحبه وتذل له. و أصل التأله التعبد. والتعبد آخر مراتب الحب، يقال عبده الحب وتيمه إذا ملكه وذلله لمحبوبه. فالمحبة حقيقة العبودية) (1).
مقتضيات التوحيد:
إذا كانت حقيقة العلاقة بين العبد وربه هي المحبة لله والافتقار إليه فإن لها لوازم وعلائم لا تصح إلا معها. إذ ليست مجرد دعوى يدعيها العبد بلا بينة ولا تحقيق. بل لابد لتحقيق هذا الأصل من تحقيق لوازمه ومقتضياته الظاهرة والباطنة.
فأما للوازم الباطنة فأعمال القلوب من الرجاء والخوف والإنابة والإخلاص وغيرها، لأنه إذا تحققت المحبة وصحت تبعها عمل القلب ويندرج في هذا جميع أعمال القلوب، فهي كلها تابعة للمحبة نابعة عنها. لأن المحبة هي مدار الدين كله ظاهره وباطنه.
و إذا لم تتحقق أعمال القلوب لم تكن المحبة حقيقية ولا صادقة، وهذا هو معنى قول من قال من السلف: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجيء، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو موحد مؤمن) (2).
ومعنى ذلك أن من ادعى المحبة دون أن يخاف الله ويرجوه فلابد أن تكون محبته كاذبة، ويكون في الباطن مكذباً لا محبة له، وهذا هو
ص 44
الزنديق الذي يتظاهر بالإسلام مع الكفر الباطن.
(1) () المرجع السابق (3/ 26).
(2) () " العبودية" لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص/37).