تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه، ومن عبد غير الله و إن أحبه وحصل له به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل الطعام المسموم.

و اعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئاً ليس له نظير فيقاس عليه، لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرة. فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بإلاهها الله الذي لا إله إلا هو. فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحاً فملاقيته، ولابد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه.

ولو حصل للعبد لذات وسرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت وفي بعض الأحوال، وتارة أخرى يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ غير منعم له ولا ملتذ له. بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك.

وأما إلهه فلابد له منه في كل حال و في كل وقت، وأينما كان فهو

ص 42

معه، ولهذا قال إمامنا إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام/ 76]. وكان أعظم آية في القرآن الكريم ﴿اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... ﴾ [البقرة/ 255] (1).

فالألوهية إذن هي حقيقة الصلة والعلاقة بين العبد المؤمن وربه.

ومن هذا ندرك أن أصل العلاقة بين المؤمن وربه إرادة مبعثها المحبة والإجلال والتعظيم، مع الإقرار لله بالربوبية وعلى النفس بالعبودية. والافتقار إلى الله وحده، وتقديم محبة الله على كل محبة بحيث تكون محبته تعالى هي الغاية لجميع المحبوبات. وميل الإرادة عن كل مراد غير الله إلى الله وحده. وهذه حقيقة الحنيفية التي خلق الله الخلق عليها.

يقول الإمام ابن القيم عن حقيقة العلاقة بين العبد وربه: (إنه لا نسبة بين الله وبين العبد إلا محض العبودية من العبد والربوبية من الرب. وليس في العبد شيء من الربوبية، ولا في الرب شيء من العبودية. فالعبد عبد من كل وجه والرب تعالى هو الإله الحق من كل وجه. ومعقد نسبة العبودية هو المحبة. فالعبودية معقودة بها بحيث متى انحلت المحبة انحلت العبودية) (2).

(1) () " مجموع الفتاوى" شيخ الإسلام ابن تيمية (1/ 23 - 25).

(2) () " مدارج السالكين" للإمام ابن القيم (3/ 35 - 36).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ٢٦