تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولأجل هذه الضرورة النفسية – التي لا ينفك عنها إنسان – جاء الأمر بإخلاص التوجه والإرادة لله وحده، وعدم الوقوف عند غاية غير الله، وجعل هذا أصل الدين وأساسه. فكما أنه أهم الضرورات النفسية فهو كذلك أهم المطالب الشرعية وأصلها، وهو حقيقة إخلاص الدين لله.

ص 40

وكما لا يمكن أن يتحقق للعبد النعيم والطمأنينة في الدنيا إلا بأن يكون الله هو مراده وغايته. فكذلك لا يمكن أن يتحقق له النعيم والنجاة في الآخرة إلا بإخلاص الدين له بتحقيق توحيد الألوهية.

ولهذا وقع كثير من الناس اليوم في شرك الإرادة والتوجه، واتخذوا بذلك معبودات من دون الله أيا كانت تلك المعبودات، لأن الإنسان لا يمكن إلا أن تكون له غاية ومراد يكدح إليه في حياته كدحاً، ويوجه إليه همه وسعيه.

وكل هذا يؤكد على الحقيقة الكبرى وهي لزوم إخلاص الإرادة لله وحده.

وحقيقة الأمر في ذلك هي كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه، ومحبته والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم، ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم في الدنيا أعظم من الإيمان به. وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألههم كحاجتهم وأعظم من خلقه لهم وربوبيته إياهم. فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح، ولا نعيم ولا لذة بدون ذلك بحال، بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى.

ولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولهذا كانت لا إله إلا الله أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول لا إله إلا الله رأس الأمر.

واعلم أن هذا حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أتدري ما حق

ص 41

الله على عباده؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقهم أن لا يعذبهم" (1).

وهو يحب ذلك ويرضى به ويرضى عن أهله ويفرح بتوبة من عاد إليه، كما أن في ذلك لذة العبد وسعادته ونعيمه.

(1) () رواه البخاري / كتاب التوحيد / (7373). ومسلم / كتاب الإيمان / (30). والترمذي/ كتاب الإيمان/ (2645).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ٢٥