****
الضرورة النفسية والشرعية للتوحيد:
بعد ما تقدم من بيان معنى الألوهية في اللغة نعلم إجمالاً أن حقيقة الألوهية ولبها هو توجه القلب إلى الله، وإخلاص القصد والإرادة له وحده.
وتعلم ضرورة ذلك للنفس الإنسانية بمعرفة أن النفس لا يمكن أن تخلو عن الإرادة بحال. وتلك الإرادة لابد لها من مراد وغاية، والنفس مفطورة على ألا يكون مرادها وغايتها إلا الله، فلا تطمئن إلا إليه، فإما أن تخلص في قصده وطلبه وتتفق مع فطرتها، وإما أن تنحرف عنه اتباعاً للأهواء والشهوات إلى الشرك.
ص 39
يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: (إن النفس لا تخلو عن الشعور والإرادة. بل هذا الخلو ممتنع فيها. فإن الشعور و الإرادة من لوازم حقيقتها، بل هذا الخلو ممتنع فيها. فإن الشعور والإرادة من لوازم حقيقتها، ولا يتصور أن تكون النفس إلا شاعرة مريدة، ولا يجوز أن يقال: إنها قد تخلو في حق الخالق تعالى عن الشعور بوجوده وعدمه، وعن محبته وعدم محبته، وحينئذ فلا يكون الإقرار به ومحبته من لوازم وجودها، ولو لم يكن لها معارض، بل هذا باطل.
وذلك أن النفس لها مطلوب مراد بضرورة فطرتها، وكونها مريدة من لوازم ذاتها، لا يتصور أن تكون نفس الإنسان غير مريدة. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " أصدق الأسماء الحارث وهمام" (1) وهي حيوان وكل حيوان متحرك بالإرادة، فلا بد لها من حركة إرادية، و إذا كان كذلك فلا بد لكل مريد من مراد. والمراد إما أن يكون مراداً لنفسه أو لغيره، والمراد لغيره لابد أن ينتهي إلى مراد نفسه، فيمتنع أن تكون جميع المرادات لغيرها، فإن هذا تسلسل في العلل الغائية، وهو ممتنع كامتناع التسلسل في العلل الفاعلية، بل أولى.
و إذا كان لابد للإنسان من مراد لنفسه فهذا هو الإله الذي يألهه القلب، فإذا لابد لكل عبد من إله، فعلم أن العبد مفطور على أن يحب إلهه) (2).
(1) () أخرجه أبو داود / كتاب الأدب / رقم (4950). و أحمد (4/ 345).
(2) () " درء تعارض العقل والنقل" شيخ الإسلام ابن تيمية " (8/ 464 - 465).