صـ 259
والجواب: أن الخلاف في هذه المسألة ليس في كون العمل مطلوباً أم لا، ولا هل يدخل مرتكب الكبيرة تحت الوعيد أم لا، فكلهم متفقون على ذلك، وإنما الخلاف في أن مرتكب الكبيرة هل هو مؤمن أم لا، وما يترتب على ذلك من مسائل الأسماء.
فإن قيل لا خلاف في الأحكام الدنيوية، من إقامة الحدود على من يقام عليه الحد من مرتكبي الكبائر، وفي الأحكام الأخروية، من أن مرتكب الكبيرة من أهل الوعيد، قيل: نعم، وهذه مسائل الأحكام. وليست مناط النزاع.
وإنما الخلاف في مسائل الأسماء، وهو حقيقي فيها، فلا يصح إطلاق القول بأن الخلاف في هذه المسألة صوري بعد هذا. ثم لماذا تحمل النصوص التي فيها إطلاق الإيمان على العمل على المجاز، مع أنها إنما تحمل على الحقيقة، ولا مجال فيها للمجاز؟.
منهج الخوارج وأصحاب فكرة الحد الأدنى للإسلام:
وأما الخوارج قديماً وحديثاً فيرون أن المراد بالنصوص التي فيها إثبات وصف الكفر أو الشرك الحقيقة لا المجاز، وكذلك النصوص التي فيها نفي الإيمان، كما سبق ذكرها. لكن لما كان الإيمان عندهم مرتبة واحدة – كما عند المرجئة – فكذلك الكفر مرتبة واحدة، ومعنى ذلك أن المراد بنفي الإيمان هنا نفيه بالكلية، وأن المراد بالكفر والشرك الكفر والشرك المخرج من الملة.
يقول شكري مصطفى: (إن لفظة الكفر ما جاءت في الشريعة إلا لتدل على عكس الإيمان وانتفائه، وهى تعبر عن حكم عام يشتمل على عدة أنواع منه، لكل نوع منها اسم علم خاص به، كالفسق والظلم
صـ 260
والخبث .. فحينما يقول الله تبارك وتعالى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) فإن جميع الثلاثة كفر من حيث الكم العام مختلفين من حيث أسماء الأعلام ومداخل الكفر) (1). وهذا عن كون الإيمان مرتبة واحدة عندهم وكذلك الكفر.
أما عن الكفر الأصغر فيقول شكري أيضاً في نفيه: (لم يحدث أن فرقت الشريعة بين الكفر العملي والكفر القبلي، ولا أن جاء نص واحد يدل أن يشير إلى أدنى إشارة إلى أن الذين كفروا بسلوكهم غير الذين كفروا بقلوبهم
(1) () انظر كتاب: (الحكم بغير ما أنزل وأهل الغلو) محمد سرور (ص / 161).