تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إيماناً دون إيمان؟ وهذا الاختلاف نشأ من اختلافهم في مسمى الإيمان، هل هو قول وعمل يزيد وينقص أم لا؟ بعد اتفاقهم على أن من سماه الله تعالى ورسوله كافراً نسميه كافراً، إذ من الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً، ويسمي رسوله من تقدم ذكره كافراً ولا نطلق عليها اسم الكفر. ولكن من قال: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص قال: هو كفر عملي لا اعتقادي، والكفر عنده مراتب كفر دون كفر، كالإيمان عنده. ومن قال: إن الإيمان هو التصديق، ولا يدخل في مسمى الإيمان، والكفر هو الجحود، ولا يزيدان ولا ينقصان قال: هو كفر مجازي غير حقيقي، وإذ الكفر الحقيقي هو الذي ينقل عن الملة.

وكذلك يقول في تسمية بعض الأعمال بالإيمان، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة/143] أي صلاتكم إلى بيت المقدس، إنها سميت إيماناً مجازاً، لتوقف صحتها على الإيمان، أو دلالتها على الإيمان ... ) (1).

والحقيقة أن الخلاف هنا ليس لفظياً، بل هو حقيقي يترتب عليه الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه، وهل يمكن إطلاق وصف الإيمان على الفاسق أم يقال هو مسلم ولا يقال هو مؤمن، وهل يمكن الاستثناء في الإيمان أم لا، بل إنه يلزم من لا يقول بأن العمل من الإيمان من مرجئة الفقهاء أن يلتزموا بما التزم به مرجئة

صـ 255

المتكلمين (2) من أن تارك جنس العمل والحاكم بغير ما أنزل الله لا يكفر

(1) () (شرح الطحاوية) لابن أبي العز، تحقيق شعيب الأرناؤوط (ص / 298).

(2) () يتفق المرجئة جميعاً على أن العمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان ولا من حقيقته، ومن ثم فالظاهر ليس لازماً للباطن عند جميعهم، إلا بما يدل على الباطن، من جهة الإقرار باللسان فقط.

لكنهم يختلفون بعد ذلك في حقيقة الإيمان الباطن، من حيث القول بأن عمل القلب وإرادته داخل في حقيقة الإيمان أم لا. فعند مرجئة الفقهاء أنه من الإيمان، لكنهم لم يلتزموا بلازم ذلك وهو أنه لابد من العمل الظاهر، لأن هذا هو مقتضى القول بأن عمل القلب من الإيمان، فإن الإرادة التامة مع القدرة لابد أن يتحقق معها عمل في الظاهر، فإذا لم يكن عمل في الظاهر مع القدرة دل ذلك على عدم تحقق الإرادة وعمل القلب في الباطن.

وأما مرجئة المتكلمين فعندهم أن الإيمان ليس إلا التصديق، وأن عمل القلب من ثمراته، كالعمل الظاهر، وليس من حقيقته. ولهذا ناقضوا أنفسهم حين زعموا أن حكم عليه الشرع بالكفر في الظاهر فلا بد ألا يكون عنده تصديق في الباطن، ولم يفرقوا بين الكفر الذي يقتضي التكذيب، والكفر الذي قد لا ينتفي معه التصديق، ولكن عمل القلب كمن سجد لصنم أو قتل نبياً أو داس المصحف ونحو ذلك.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في نقد هذا المنهج: (قول القائل الطاعات ثمرات التصديق الباطن يراد به شيئان:

1 - يراد به إنها لوازم له، فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت، وهذا هو مذهب السلف وأهل السنة.

2 - ويراد به أن الإيمان قد يكون سبباً، وقد يكون الإيمان الباطن تاماً كاملاً وهي لم توجد، وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم. وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم غطوا في ثلاثة أوجه:

أحدهما: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب تصديق بلا عمل للقلب كمحبة الله وخشيته.

الثاني: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاماً بدون عمل في الظاهر، وهذا يقول به جميع المرجئة.

الثالث: قولهم كل من كفره الشارع فإنما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب تبارك وتعالى، وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية، لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم، ممن هو في باطنه يرى رأي الجهمية المرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف والحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف).) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) (7/ 363 – 364). وانظر أيضاً نفس المرجع (7/ 188 – 195).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٧٥