وأصل منهج المرجئة والخوارج على ما بين مذهبيهما من اختلاف وتضاد أن الإيمان إذا كان حقيقة واحدة تنتفي بالكلية إذا انتفى بعضها، وتصبح حقيقة أخرى، كالعدد عشرة مثلاً، إذا نقص منه واحد وأصبح تسعة، فاختلف حقيقة العدد يتخلف بعضه.
وأساس شبهتهم أنهم لم يفرقوا بين ما هو شرط في أصل الإيمان كالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وتصديقه واتباعه، مع توحيد الله تعالى، فإنه لا يكفي أحد هذين الأصلين عن الآخر. وبين مالا يكون شرطاً في أصل الإيمان فلا يقتضي تخلفه عدم وجودها بالكلية. كالمرتكب لبعض الكبائر فإن إيمانه ينقص، لكنه لا يذهب بالكلية إلا بالكفر.
ومما يمثل به علماء أهل السنة هنا الشجرة حين يقطع بعض أغصانها، فإنها شجرة مع ذلك النقص، وقد ضربها الله مثلاً لكلمة التوحيد في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا
صـ 253
ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ﴿24﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) .. الآية [إبراهيم /24 - 25].
ومع اتفاق كل من المرجئة والخوارج في أصل الشبهة والمنهج، نفيض في معاني النصوص السابقة وأمثالها.
فأما المرجئة فألغت دلالتها الشرعية بالكلية، وأما الخوارج فاعتمدتها في التكفير بالكبيرة، وهذا تفصيل أقوالهم في ذلك.
منهج المرجئة:
ألغى المرجئة الدلالة الشرعية لهذه النصوص، وأبقوها على دلالتها اللغوية. فقالوا المراد بالكفر في النصوص كفر مجازي لا كفر حقيقي، لأنه لا يكون الكفر حقيقياً عندهم إلا إذا ذهب معه الإيمان بالكلية.
وأما الأحاديث التي فيها نفي الإيمان عمن ارتكب بعض الكبائر فقالوا: إن المراد بها النهي والزجر، لا الإخبار عن انتفاء الإيمان، أو إن المراد بها مجرد الوعيد الذي لا يتضمن نفي الإيمان حقيقة، وبهذا تنتفي دلالتها بالكلية. لأن النهي لا يتضمن الدلالة على أن من ارتكب تلك الكبائر لا يكون مؤمناً، بل يكون المعنى على قولهم: إن من شأن المؤمن أن لا يرتكب الكبائر، لكن من ارتكبها لا يكون بذلك قد نقص إيمانه.
والعجيب مع هذا أن يقال إن الخلاف بين أهل السنة وبين المرجئة في هذه المسألة خلاف صوري لا حقيقي.
صـ 254
وممن مال إلى هذا شارح العقيدة الطحاوية رحمه الله إذ يقول: (إن أهل السنة (1) اختلفوا لفظياً لا يترتب عليه فساد، وهو: أنه هل يكون الكفر على مراتب، كفراً دون كفر؟ كما اختلفوا: هل يكون الإيمان على مراتب
(1) () يقصد المحدثين الأحناف.