تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومثل ذلك أيضاً ما ورد من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه في معنى قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ .. الآية﴾ [التوبة / 31]. قال عدي رضي الله سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقرؤها فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم) (1).

وفي رواية الترمذي: (أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه) (2).

ومعنى الآية أن أهل الكتاب قد أشركوا بالله حين قلبوا التشريع من أحبارهم ورهبانهم، لأن ذلك من خصائص الرب، ومن ادعاها ادعى

صـ 248

بعض صفات الربوبية، ولهذا سمى الشياطين شركاء، لما أطاعهم المشركون في قتل أولادهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام /137].

لكن الطاعة في التشريع واستحلال المحرمات غير الطاعة في مجرد المعصية. ومناط الكفر هو مشايعة الشركاء المشرعين من دون الله، بقبول التشريع منهم وتحليلهم للمحرمات، فإن حصل اتباع وطاعة لهم على الفعل بمجرد المعصية دون الرضى بتشريعهم وقبوله لم يكن ذلك شركا مخرجاً من الملة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح آية التوبة وحديث عدي السابق: (وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم وتحريم ما أحل يكونون على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنههم بدلوا دين الله، فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، اتباعاً لرؤسائهم، مع علمهم أنه خالفوا دين الرسول، فهذا كفر. وقد جعله الله ورسوله شركاً، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم. فكان من اتبع غيره في خلاف الدين، مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء.

الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتاً (3). لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من

(1) () انظر: (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) للسيوطي (2/ 230).

(2) () رواه الترمذي، كتاب التفسير (3094). وحسنه الألباني في غاية المرام رقم (6).

(3) () هكذا. ومراد شيخ الإسلام هنا أن يكون اعتقادهم صحيحاً، لكن أطاعوهم بمجرد الفعل، كغيرهم من العصاة. وعلى هذا تكون صحة العبارة (أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتا .. ) وانظر: "فتح المجيد" تحقيق: الفريان (1/ 213).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٧١