تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللإجابة على ذاك لابد من التأكيد على ثلاثة أمور:

الأول: إن الأصل فيمن أظهر الإسلام أن نحكم له به، وألا نزيل عنه ذلك الوصف بمجرد الشك والظن والاحتمال، حتى يظهر ما يناقض الحكم بكفره، لأن التظاهر بالإسلام من حيث الأصل قاطع في الدلالة

صـ 245

على الحكم للمعين بالإسلام، فلا يزيله إلا اليقين المبني على بينة ظاهرة قاطعة في الدلالة على الكفر، أو عدم اعتبار الإقرار.

وعليه فلا اعتبار لقول من يشترط التبين لإثبات وصف الإسلام، وعدم الاكتفاء بالإقرار أو التظاهر ببعض خصائص الإسلام في ذلك سواء قيل مع ذلك بالتوقف عن وصف الكفر أيضاً، أو قيل إن الأصل في الناس هو الكفر.

الثني: إن عدم الإنكار الظاهر باليد واللسان لا يعني مشايعة الذين يحكمون بالقوانين الوضعية، ويبدلون شرع الله، وذلك أنه ليس كل أحد يستطع الإنكار في الظاهر، فبعض المسلمين مع عدم رضاهم عن القوانين الوضعية وعمن يحكمون بها لا يمكنهم أن ينكروا ذلك إلا بأن يكرهوه بقلوبهم، وهم لا يكلفون أكثر من وسعهم، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (1). ففي هذا الحديث إيجاب الإنكار للمنكر بحسب القدرة، حتى يكون الإنكار بالقلب الذي ينتفي الإيمان بانتفائه. وحقيقته كره القلب للمنكر، الذي يقتضي اجتنابه في الظاهر، ما لم يكن ثمة إكراه معتبر يبيح التظاهر بما ليس في القلب. وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع) (2).

صـ 246

ولهذا كان إنكار القلب يقتضي عدم الرضى والمتابعة على الكفر والمعصية جهاداً كما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده

(1) () رواه مسلم، كتاب الإيمان (49). والترمذي، كتاب الفتن (2173). و أبو داود (1140) و (4340). والنسائي، كتاب الملاحم (5008). وابن ماجه في الفتن (4013).

(2) () رواه مسلم، كتاب الإمارة (1854). والترمذي، كتاب الفتن (2266). وأبو داود، كتاب السنة (4760).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٦٩