مناط كفر المحكومين بغير الشريعة:
هذا الذي سبق كان في حكم المشرع والحاكم بغير الشريعة، وأما المحكوم بذلك فمناط كفره رضاه وقبوله لغير الشريعة، لأن الراضي بالكفر كفاعله، وهم لم يحصل منهم تشريع وتبديل لأحكام الله، فبقي النظر في قبولهم لذلك التشريع ورضاه به.
يقول الله تعالى في شأن بعض من أعلن أسلامه لكنهم يريدون التحاكم إلى غير الشريعة {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴿60﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ... .. الآيات} [النساء /60 - 61].
والآيات نص على أن من رضي بغير حكم الله فهو كافر، وإن زعم أنه مسلم، لأنه لا يمكن أن يكون مسلماً ملتزماً بشريعة الله من يختار ويؤثر التحاكم إلى غيرها من سبل الطاغوت الذي هو كل معبود غير الله، سواء في التقرب والنسك أو في الطاعة في التشريع، فكلها شرك بالله تعالى.
وعلى هذا فمن آثر التحاكم إلى غير الشريعة على التحاكم إلى
صـ 244
الشريعة مع إمكان أن يتحاكم إلى شرع فلا يكون إلا راغباً بغير الشريعة كافراً بذلك. كما ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله أن جنكيز خان كان قد وضع للتتار كتاباً يتحاكمون إليه، ويحكمون به، وأنه شئ اقترحه من عند نفسه، وتبعوه عليه، وكان قد غلب بلاد المسلمين.
قال ابن كثير: (فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا (1) وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين (2).
ولا يلزم من هذا أن كل من تحاكم إلى المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية لابد أن يكون كافراً، بل قد يضطر المسلم لتخليص حقوقه ونحو ذلك إلى التحاكم إليها، مع عدم رضاه عنها، فلا يكون كافراً بل يكون حكمه حكم المضطر.
وإذا تبين أن مناط كفر المحكومين بغير الشريعة أن يقبلوا ذلك ويرضوا به، فمتى يتحقق ذلك في المعين بالنسبة لأحكام الظاهر، بحيث يحكم عليه بأنه قد قبل غير الشريعة، ورضي به، وقدمه على حكم الشريعة؟.
(1) () اسم كتاب جنكيز خان الذي وضعه ليكون قانوناً وتبعه أولاده على الحكم به.
(2) () (البداية والنهاية) لابن كثير (13/ 119)