تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صـ 231

والحالة الثانية: هي ما حصل بعد سقوط الخلافة العثمانية من تشتت بلاد المسلمين وخضوعها للحكم العلماني الغربي، ثم نزوح الاستيلاء الغربي المباشر في الظاهر، مع البقاء على القوانين الوضعية المختلفة مصدراً للتحاكم والتقاضي في كثير من بلاد المسلمين.

وهذه هي الحالة التي تعيشها أغلب بلاد المسلمين اليوم، حيث أقصيت الشريعة وترك أمر التحاكم إليها، وإن حكم بها في بعض الشؤون والأحوال الشخصية فعلى أنها مصدر محكوم، لا نفاذ له لذاته ولا اعتبار له إلا بما تسمح به سلطة القانون الوضعي الذي هو الأصل.

ولا عبرة هنا بالالتزام ببعض الشريعة مع كون القوانين الوضعية هي الأصل المتحاكم إليه، لأن أخص خصائص الشريعة أن تكون حاكمة مهيمنة على غيرها، لأنها حكم الله وشرعه، فإذا كانت محكومة بغيرها فقدت خاصيتها التي هي الحكم على غيرها، فلم يكن لها اعتبار حينئذ.

ونعود إلى بيان هذه القضية وبعض كلام أئمة أهل السنة في ذلك زيادة على ما سبق.

يقول الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة / 50].

يقول: (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، عدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم. وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق. وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية

صـ 232

والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً، يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فمن فعل ذلك منهم فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) (1).

(1) () (تفسير ابن كثير) (2/ 68)

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٥٩