والذي يبين فساد هذا القول أن الله قد جعل الحكم بغير الشريعة هو مناط الكفر، ولم يذكر الاستحلال والجحود، بل الجحود كفر ولو لم يكن معه تحكيم لغير الشريعة، فالجاحد المستحل كافر، شرع من دون الله أو لم يشرع.
فدل هذا على أن القول بأن المراد في معنى الآية في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة / 44] ومن لم يحكم جاحداً منكراً، تنزيل لحكم الله على غير مناطه الذي هو الأصل في معنى الآية، وهو مجرد التشريع والحكم بغير الشريعة التزاماً بغيرها.
يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله في رد قول من اشترط الجحود والاستحلال في تكفير من شرع من دون الله: (ذهب بعضهم إلى أن الكفر مشروط بشرط معروف من القواعد العامة، وهو أن من لم
صـ 230
يحكم بما أنزل الله منكراً له أو راغباً عنه لاعتقاده بأنه ظلم، مع علمه بأنه حكم الله، أو نحو ذلك مما لا يجامع الإيمان. ولعمري إن الشبهة في الأمراء الواضعين للقوانين أشد، والجواب عنهم أعسر، وهذا التأويل في حقهم لا يظهر، وإن العقل ليعسر عليه أن يتصور أن مؤمناً مذعناً لدين الله، يعتقد أن كتابه يفرض عليه حكماً، ثم هو يغيره باختياره ويستبدل به حكماً آخر بإرادته، إعراضاً عنه وتفضيلاً لغيره عليه، ويعتد مع ذلك بإيمانه وإسلامه.
والظاهر أن الواجب على المسلمين في مثل هذه الحال مع مثل هذا الحاكم أن يلزموه بإبطال ما وضعه مخالفاً لحكم الله. ولا يكتفوا بعدم مساندته عليه ومشايعته فيه. فإن لم يقدروا فالدار لا تعتبر دار إسلام فيما يظهر) (1).
ولزيادة البيان في حكم هذه المسألة، والنص على أن التشريع من دون الله كفر يخرج عن الملة، وأن التشريع والحكم بشريعة غير شريعة الله كفر، والفرق بين هذه المسألة ومسألة الحاكم المسلم الذي يحكم بخلاف الحق في مسألة معينة. ولأجل ذلك كله لابد من استعراض أقوال أئمة أهل السنة في هذه القضية، وخصوصاً الذين كانت كلماتهم وفتاويهم بياناً لحكم ما عاينوه وشهدوه من تحكيم لغير الشريعة في بلاد المسلمين.
ولم يكن ذلك إلا في حالتين. الأولى منهما: يوم غلب التتار على بعض بلاد المسلمين وحكموا فيها ما يسمى الياسق، وهو قانون ملفق من مجموع ديانات منها الإسلام، مع ما رآه جنكيز خان برأيه ووضعه في كتابه ذلك.
(1) () (تفسير المنار) محمد رشيد رضا ص (6/ 417)